فنون النثر الجزائري القديم (الوصف)
من الألوان النثرية الأدبية، التي سجلت حضورها في الجزائر إبان الحكم العثماني، نذكر: الوصف، ونعني به: وصف مظاهر الطبيعة، أو وصف القصور، والمدارس،... ونحو ذلك من المنشآت البشرية، أما وصف المرأة، فالغالب أنه كان عن طريق الشعر لا النثر، ويدخل في الوصف أيضا: وصف الكتب، والخيل،... وغيرها من الحيوانات، ووصف القوافل، والمدن، ويمكننا أن نضيف إلى هذا اللون، الوصف المعنوي، كوصف المشاعر الإنسانية عند الحج، ووصف أثر نكبة من النكبات على الإنسان، أو الحديث على معركة طغى فيها الحس الديني، إلى غير ذلك، فالمقصود بالوصف هنا، الوصف الحسي والمعنوي، ولكن القليل فقط من الكتاب الجزائريين، لجأوا إلى الوصف بالنثر، للتعبير عما كان يختلج في أنفسهم من المشاعر.
إن أبرز من عالج هذا الموضوع، هو أحمد بن عمار، فقد وصف مشاعره الذاتية عند اعتزامه أداء الحج، فأجاد الوصف بأسلوبه المحكم المعهود، ومن ذلك قوله في هذا الصدد: «... ولما انبرى هذا العزم وانبرم، والتظى لاعج الشوق وانضرم، شرعت إذ ذاك في المقصود، وأعددت طلسم ذلك الكنز المرصود، وأخذت في أسباب السفر، وكثيرا ما كان يصدر عني في هذه الحالة من المقطعات الشعرية، والموشحات السحرية... فأحببت أن أدخل ذلك كله في خبر الرحلة، ولما شرعت في التقييد والجمع، لما يجتليه البصر ويتشنفه السمع، عزمت على تسمية ما أسطره بنحلة اللبيب بأخبار الرحلة إلى الحبيب.».
ومن الممكن، مقارنة وصف حالة ابن عمار النفسية، بوصف الورتلاني لحالته أيضا، عند المناسبة نفسها، وهذه بعض عباراته في ذلك: «وبعد، فإني لما تعلق قلبي بتلك الرسوم والآثار، والرباع والقفار والديار... والمياه والبساتين والأرياف والقرى والمزارع والأمصار، والعلماء الفضلاء والنجباء والأدباء... أنشأت رحلة عظيمة يستعظمها البادي، ويستحسنها الشادي، فإنها تزهو بمحاسنها عن كثير من كتب الأخبار...».
أما الوصف الحسي، فتوجد قطعة جميلة لابن عمار، يصف فيها قصرا، هو قصر الوزير الكاتب أحمد بن عبد اللطيف بالعاصمة، الذي ما يزال قائما إلى اليوم، وقال ابن عمار إن الوزير قد استدعاه يوما، فقضى بقصره سهرة ممتعة، قلما يجود بها الدهر، وقد جمع ابن عمار في هذا الوصف، بين النثر والشعر، ومدح فيه آل عبد اللطيف بالعلم، والثروة، والجاه،
15
والوزارة، ومما جاء في وصف القصر نثرا، قوله: «فاحتللنا قصرا وما أدراك من قصر، تقابل الوصف أوصافه بالحبس والقصر، وتعبث محاسنه بالزهراء والزاهرة، وتشرف شرفاته على النجوم الزاهرة، وتزهز بدائعه على الزاهي والدمشق، وتلهو مقصوراته بقصور العراق ودمشق...». ثم وصف انفساح عرصاته، ووفرة الأرائك، والمنصات، والزرابي، والأكواب، والفاكهة. وأضاف ابن عمار إلى هذا الوصف، الذي يبلغ صفحة، قصيدة طويلة من جيد ما نظم، مطلعها:
وَلَيْلَةُ أُنْسٍ لَذَّ فِيهَا جَنَى السَّمَرِ فَنَاهِيكَ مِنْ أُنْسٍ جَنَيْنَاهُ بِالسَّهَرِ
وقد قيلت أشعار مختلفة في وصف الآثار والأبنية في الجزائر العثمانية، سنعرض إليها في مقامها، ولكن النثر لم يسجل ذلك إلا قليلا، فهناك منشآت الباي محمد الكبير، ومنشآت صالح باي، وقصر الباي الحاج أحمد، ومدارس العاصمة، بل حتى الأضرحة والزوايا والقناطر، وكان بعض هذه المنشآت، يثير الشاعرية أكثر مما يثير قدرة الكاتب على الوصف الأدبي، فقد قيل عن قصر أحمد باي، أنه كان أهم وأحدث بناية في قسنطينة، تحيط به الحدائق الغناء، والحمامات، والباحات، ويضم ثمانية أجنحة، يقود بعضها إلى بعض في تناسق محكم، وكان يثير الدهشة والإعجاب، برشاقة وقوة ونصاعة هندسته المحلية، وقد ضمت حدائقه: أنواع الأشجار المثمرة، وترقرقت فيه المياه، واختلط فيه خرير المياه من النافورات بزئير الأسود في الأقفاص، حتى أن بعض الكتاب تخيل عندما دخله، أنه كان في أحد قصور الخلفاء بدمشق أو بغداد، ومع ذلك، لا نعرف أن أديبا قد وصفه نثرا، وإنما وجدنا في وصفه أبياتا قليلة من الشعر سنذكرها في مكانها.
ومن المؤكد أن أدباء الجزائر، قد تناولوا وصف الرياض، والقصور، والحيوانات، بالنثر أيضا، حتى إن كان جهدهم في هذا الباب قليلا، وحتى إن كنا لم نطلع على الكثير منه، فليس معنى هذا أنهم لم يحفلوا به، ولا نخال أدباء مثل: ابن رأس العين، وابن علي، وابن ميمون، وابن سحنون، وابن عمار، والمقري، لا يسجلون انطباعاتهم في مظاهر الطبيعة، والمجالس الإخوانية، والمشاعر الإنسانية، عند الحل والترحال، ولكن علينا أن نَجِدَّ في البحث عن آثارهم، لا أن نجزم بعدم وجودها ونقف.
16