يُعدّ مفدي زكريا من أبرز الشعراء الذين ارتبط شعرهم بقضايا الوطن، فقد جعل من الجزائر وثورتها وتاريخها ومآسي شعبها موضوعًا أساسيًا في شعره، ولا سيما في إلياذة الجزائر التي حاول من خلالها أن يؤرخ لأمجاد الجزائر ويخلّد بطولات شعبها ونضاله. غير أنّ هذا الالتزام بالقضايا الوطنية يطرح سؤالًا مهمًّا: هل جعل ارتباط مفدي زكريا بقضايا الوطن شعره مجرد شعر نضالي يخلو من الجمالية الفنية، أم أنّه استطاع أن يجمع بين قوة القضية وجمال التعبير؟
والحقيقة أنّ التزام مفدي زكريا بقضايا وطنه لم يؤثر سلبًا في الجمالية الفنية لشعره، بل أسهم في إثرائها؛ فقد استطاع أن يجعل من الأحداث التاريخية والوقائع الثورية مادة شعرية، يوظف فيها الصور البيانية والإيقاع والتكرار والرموز والتاريخ، فجمع بين صدق التجربة وقوة التعبير.
ويظهر ذلك أولًا في تحويل الوطن من قضية سياسية إلى تجربة شعرية قائمة على العاطفة والجمال. فمفدي لا يكتفي بذكر الجزائر أو تعداد مدنها ومظاهرها الطبيعية، وإنما يعبّر عن تعلقه بها بلغة مليئة بالصور والتشبيهات، فيقول:
«جزائر يا بدعة الفاطر
ويا روعة الصانع القادر»
فهو يخاطب الجزائر مباشرة، ويصفها بأنها «بدعة الفاطر» و«روعة الصانع القادر»، وبذلك يتحول وصف الوطن من مجرد وصف واقعي إلى صورة شعرية تعبّر عن إعجاب الشاعر واعتزازه بجمال بلاده.
ويتضح هذا أكثر في قوله:
«ويا بابل السحر، من وجهها
تلقب هاروت بالساحر»
حيث يستحضر بابل وهاروت من التراث ليبالغ في وصف سحر الجزائر وجمالها، وهذا يدل على أنّ التزامه الوطني لم يمنعه من توظيف الخيال والثقافة والتراث في بناء صور شعرية جميلة.
كما يظهر أثر القضية الوطنية في شعره من خلال الجمع بين الواقع والخيال؛ فقد كان مفدي زكريا قريبًا من الواقع النضالي، واتخذ منه أساسًا لشعره، وهو ما جعل شعره يتسم بالواقعية، لكنه لم ينقل الأحداث نقلًا مباشرًا، وإنما أعاد صياغتها في صورة شعرية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك تصويره للثورة والسلاح، إذ يقول:
«وتأبى المدافع صوغ الكلام
إذا لم يكن من شواط وحمر»
ويقول أيضًا:
«وتأبى القنابل طبع الحروف
إذا لم تكن من سبائك حمر»
فهنا يجعل الشاعر المدافع والقنابل وكأنها ترفض الكتابة بالكلمات العادية، ولا تقبل إلا أن تكون حروفها من الرصاص والدم. وهذه صورة فنية تعبّر عن واقع الثورة، حيث أصبح السلاح وسيلة للدفاع عن الوطن، وفي الوقت نفسه تمنح هذا الواقع بعدًا جماليًا يتجاوز مجرد تسجيل الحدث.
ومن مظاهر الجمالية كذلك التكرار والإيقاع، وهما عنصران واضحان في شعر مفدي زكريا. ففي الأبيات السابقة يتكرر الفعل «تأبى»:
«وتأبى المدافع صوغ الكلام»
«وتأبى القنابل طبع الحروف»
«وتأبى الصفائح نشر الصحائف»
وهذا التكرار لم يأتِ عبثًا، وإنما ساعد على تقوية الإيقاع وإبراز معنى الرفض والمقاومة، كما جعل الأبيات أكثر قوة وانسجامًا مع الجو الثوري الذي تتحدث عنه القصيدة. وهكذا خدم الشكلُ المعنى الوطني بدل أن يكون منفصلًا عنه.
كما انعكس التزامه بقضايا الوطن على استحضاره للتاريخ، فقد جعل مفدي زكريا من تاريخ الجزائر جزءًا أساسيًا من بنية الإلياذة، فلم يقتصر على الحديث عن الثورة التحريرية، بل عاد إلى تاريخ الجزائر القديم والوسيط والمعاصر، واستحضر شخصيات وأحداثًا مختلفة ليؤكد أنّ الثورة ليست حدثًا منفصلًا عن ماضي الجزائر، وإنما هي امتداد لتاريخ طويل من المقاومة والمجد.
ويظهر ذلك في قوله:
«وأوقفت ركب الزمان طويلًا
أسائله عن ثمود وعاد
وعن قصة المجد من عهد نوح
وهل إرم هي ذات العماد؟»
فالشاعر هنا يستحضر شخصيات وأممًا وأحداثًا من التاريخ القديم، ويجعل نفسه في حوار مع الزمن، وهذا تشخيص للزمن وإضفاء صفات إنسانية عليه، كما أنّ هذا الاستحضار يربط حاضر الجزائر بماضٍ بعيد، ويمنح القضية الوطنية بعدًا تاريخيًا وحضاريًا.
ومن جهة أخرى، تظهر جمالية شعره في التعبير عن الثورة باعتبارها تحولًا وبداية جديدة، كما يقول:
«نوفمبر غيّرت مجرى الحياة
وكنت نوفمبر مطلع فجر»
فقد جعل نوفمبر «مطلع فجر»، والفجر هنا رمز لبداية جديدة بعد مرحلة طويلة من الظلم والاستعمار. وبذلك لم يكتفِ الشاعر بذكر الثورة، بل عبّر عن أثرها في حياة الجزائريين من خلال صورة شعرية واضحة تجمع بين المعنى الوطني والجمال الفني.
كما أنّ صدق التجربة كان له دور مهم في جمالية شعر مفدي زكريا؛ فالتزامه بقضايا الوطن لم يكن مجرد موقف شعري، بل ارتبط بحياته ونضاله ومعاناته، فقد عانى الاعتقال والسجن، والتحق بصفوف الثورة، ولذلك جاءت عاطفته الوطنية قوية وصادقة. وهذا الصدق جعل شعره أكثر تأثيرًا، لأن القارئ يشعر بأن الشاعر لا يتحدث عن قضية بعيدة عنه، وإنما يعبّر عن تجربة عاشها وارتبط بها.
وقد حافظ مفدي زكريا، رغم ارتباط شعره بالقضايا الوطنية، على عمود الشعر العربي، وأجاد في سبكه، وهذا يدل على أنّ التزامه بالمضمون الوطني لم يدفعه إلى إهمال الشكل. بل استطاع أن يوظف اللغة العربية الفصيحة والإيقاع والقافية والصور البلاغية في خدمة موضوعه، فجمع بين المحافظة على التراث الشعري والتعبير عن قضايا عصره.
ومن هنا يمكن القول إن مفدي زكريا لم يكن مؤرخًا يسجل الأحداث فقط، وإنما كان شاعرًا يحوّل التاريخ إلى شعر، والثورة إلى صورة، والوطن إلى تجربة جمالية. ولذلك فإن التزامه بقضايا الجزائر لم يضعف شعره، وإنما منحه مادة غنية استطاع أن يصوغها في قالب فني متماسك.
وخلاصة القول: إن التزام مفدي زكريا بقضايا الوطن كان له أثر واضح في شعره من حيث الموضوع والمضمون، لكنه لم يكن على حساب الجمالية الفنية، بل أسهم في بنائها وإثرائها. فقد جمع بين الواقعية والخيال، والتاريخ والعاطفة، وقوة المضمون وجمال الشكل، ووظف الصورة الشعرية والتكرار والإيقاع والاستعارة والتشخيص لخدمة القضية الوطنية. ومن ثم أصبحت إلياذة الجزائر نموذجًا للشعر الوطني الذي استطاع فيه الشاعر أن يجعل من حب الوطن والتاريخ والثورة مادة فنية وشعرية، لا مجرد خطاب مباشر عن الأحداث.