تعليل سبب اختلاف النّقاد حول التّصنيف الأجناسي لحكاية العشّاق في الحب والإشتياق و إلى أي جنس نراها أقرب

تعليل سبب اختلاف النّقاد حول التّصنيف الأجناسي لحكاية العشّاق في الحب والإشتياق و إلى أي جنس نراها أقرب

بواسطة - SARA METAHRI
عدد الردود: 0

في عالم الأدب، هناك نصوص تتجاوز التصنيفات التقليدية للأجناس الأدبية، فتفرض نفسها على القارئ كمجال للتأمل والتحليل، حيث تتداخل فيها المشاعر الإنسانية مع البنية السردية والفكرية. من بين هذه النصوص البارزة تبرز حكاية العشّاق في الحب والاشتياق، التي كتبها محمد بن إبراهيم بن مصطفى باشا في أوائل القرن التاسع عشر، في فترة شهدت اضطرابات سياسية واجتماعية نتيجة الاحتلال الفرنسي، وما رافق ذلك من تغييرات في المجتمع الجزائري وأثرها على الحياة اليومية والثقافية للأفراد. تمثل الحكاية نموذجًا فريدًا للأدب الجزائري القديم، حيث تمتزج فيها عناصر الحب والشوق مع البعد الاجتماعي والتاريخي، مما يمنحها قيمة أدبية وثقافية عالية.

تبدأ الحكاية بمشهد وصية الملك لابنه، الذي يوصيه بالتحلي بالحكمة وتقوى الله ومرافقة العقلاء والابتعاد عن الفتن، ما يعكس البعد الأخلاقي والتربوي في النص. بعد وفاة الملك، يتولى النديم حسن تربية الابن تربية صارمة ويعزله عن العالم الخارجي، وهو ما يولد شعورًا بالضيق لدى الابن ويدفعه إلى الخروج للتجوال، حيث يلتقي زهرة الأنس ابنة التاجر، ويبدأ بينهما الحب تدريجيًا. تتعقد العلاقة بسبب غياب والد زهرة وانغماسها في الشعر والغناء، كما تدخل في الأحداث شخصيات ثانوية تؤثر على سير الحب، مثل العجوز والجاريتان والعطار، مما يضفي على النص بعدًا اجتماعيًا وشعبيًا ويزيد من تعقيد الحبكة الدرامية.

ويعود اختلاف النقاد حول تصنيف الحكاية إلى طبيعتها المركبة والهجينة. فهي تجمع بين السرد القصصي المتكامل الذي يقوم على تطور الأحداث وبناء الشخصيات والصراع والحل، وبين البعد الوجداني العميق الذي يعكس الحب والشوق والحنين والفقد، إضافة إلى الطابع التراثي والحيل الأدبية المستمدة من المقامات والحكايات الشعبية مثل الرسائل والمكائد والحوار المسجوع والأشعار والغناء. كل هذه العناصر تجعل التصنيف الأدبي للنص مسألة معقدة. كتب النص قبل ستين عامًا من ظهور الرواية العربية الحديثة، أي في مرحلة لم تكن فيها الأجناس الأدبية مستقرة، ما دفع النقاد إلى تصنيفها بحسب الزاوية التي ركزوا عليها، فبعضهم اعتبرها حكاية شعبية طويلة، بينما رأى آخرون أنها رواية غرامية مبكرة، فيما صنف فريق ثالث النص كمقامة بلاغية أو سيرة وجدانية تعكس تجربة المؤلف الشخصية من فقدان زوجته وابنه وما تعرض له من نهب ممتلكاته.

وعلى الرغم من هذا التعدد في الآراء، يمكن القول إن الحكاية أقرب إلى الرواية القصصية التراثية، لأنها تتميز ببنية سردية شبه مكتملة تشمل البداية، تصاعد الأحداث، العقدة والحل، مع شخصيات رئيسية وثانوية واضحة وصراع عاطفي محدد، ومزيج بين الواقع والخيال. كما تحافظ على عناصر الحكاية الشعبية والمقامة البلاغية، ما يجعلها جسرًا بين الحكاية التقليدية والرواية العربية الحديثة، ويؤكد أنها نموذج أدبي متقدم يتجاوز الحدود التقليدية للأجناس، ويجسد مرحلة انتقالية مهمة في تطور الأدب الجزائري والعربي.

وبذلك، فإن اختلاف النقاد لا يعكس غموض النص، بل يعكس ثراءه وتعقيده الأدبي، ويؤكد أن حكاية العشاق في الحب والاشتياق نص استثنائي يمزج بين العاطفة والتاريخ والتراث، ويشكل مرجعًا هامًا لفهم مراحل تطور الرواية العربية المبكرة.

-