كأنّ للجزائر سرًّا مع بدايات الحكاية؛ فمن أرضها خرج الحمار الذهبي أول روايات العالم، ومنها لاحقًا تنفّسَت حكاية العشاق في الحب والاشتياق روح الرواية العربية الحديثة. غير أنّ الدارسين هنا لم يغريهم وهجُ السبق، بل تاهوا في سؤال جنس النص: أهو حكاية أم مقامة أم رواية تُخفي تاريخها في العشق؟ بينما ذهب النقاد العرب إلى رأي واحد، فجعلوا زينب المصرية فاتحة الرواية، رغم أنّ النور قد شعَّ في الجزائر قبلها بستين عامًا.
تُعدّ حكاية العشاق في الحب والاشتياق وما جرى لابن الملك مع زهرة الأنس بنت التاجر نموذجًا سرديًا فريدًا في الأدب الجزائري القديم، ألفها محمد بن إبراهيم بن مصطفى باشا في بدايات القرن 19، في مرحلة عرفت اضطرابات سياسية واجتماعية نتيجة الاحتلال الفرنسي. وقد وجد المؤرخ أبو القاسم سعد الله المخطوط الوحيد في المكتبة الوطنية، فقام بتحقيقه. وتكشف الحكاية منذ بدايتها طابعًا إنسانيًا ووجدانيًا قويًا نابعًا من التجربة القاسية للمؤلف الذي فقد زوجته وابنه وتعرّض لنهب ممتلكاته، ما جعل النص وثيق الصلة بسياقه النفسي والاجتماعي.
تبدأ الحكاية بمشهد احتضار الملك وهو يوصي ابنه الوحيد بوصايا أخلاقية تدعو إلى تقوى الله، ومصاحبة العقلاء، والابتعاد عن الشهوات والفتن. بعد وفاة الملك، يتولى النديم حسن تربية الابن تربية صارمة، فيعزله عن العالم خوفًا من السقوط في الشر. غير أنّ الابن يشعر بالضيق فيخرج للتجوال، فيلتقي صدفة بابنة أحد التجار، زهرة الأنس، المعروفة بجمالها وثقافتها وغنائها. ينشأ الحب بينهما تدريجيًا حتى يصبح شغفًا جارفًا، لكن غياب والد زهرة وانغماسها في الخمر والشعر يزيد التوتر ويعمق الإحساس بالفقد. تتعقد الأحداث مع دخول شخصيات أخرى مثل البربري المنافس في الحب، والعجوز التي تتسبب في التفريق بين العاشقين، وجاريتي زهرة خفاشة وخريفة الصيف، إضافة إلى العطار الذي يلعب دورًا مزدوجًا بين التفريق ثم المساعدة.
تبلغ الأزمة ذروتها حين ينقطع التواصل بين ابن الملك وزهرة الأنس، فيعود الملك الشاب إلى قصره مهمومًا، بينما تغرق زهرة في الندم والانتظار. ومع ذلك، تسعى بعض الشخصيات الثانوية، وخاصة النديم حسن، إلى إعادة الربط بينهما. وبعد سلسلة من الرسائل والمكائد والتحايلات، يلتئم شمل العاشقين من جديد، في خاتمة يغلب عليها الطابع العاطفي والانتصار الرمزي للحب.
ويمتاز النص بتعدد تقنياته السردية: حضور الحوار على نطاق واسع، كثرة الوقفات الوصفية، تعدد الأمكنة بين القصر، السوق، الحمام، والبستان، ووفرة الأشعار التي تتخلل السرد. كما تتداخل الأزمنة وتتعدد الأصوات، مما يمنح الحكاية حيوية خاصة. وتنتشر في النص حقول دلالية مرتبطة بالحب، الشوق، الجمال، الحزن، ومفردات الحياة الاجتماعية، إضافة إلى مظاهر واضحة من التراث الحكائي العربي، وخاصة ما يذكّر بأسلوب ألف ليلة وليلة مثل الحيل، الرسائل، الجواري، واللغة المسجوعة.
كل هذه الخصائص جعلت النقّاد يختلفون في تصنيف الحكاية أجناسياً. فهي نص هجين يجمع بين الحكاية التراثية، والرواية الغرامية المبكرة، والمقامة، والنثر الوجداني، ولا ينسجم تمامًا مع أي جنس من هذه الأجناس. كما أنّ حضور المكوّن التاريخي الواقعي إلى جانب الخيال الغرامي جعل بعضهم يعتبرها سيرة ذاتية مقنّعة، بينما رآها آخرون نصًا حكائيًا خياليًا بالأساس. ويعود الاختلاف أيضًا إلى أن النص ينتمي إلى مرحلة ما قبل ظهور الرواية العربية الحديثة، حيث لم تكن الحدود الأجناسية مستقرة بعد. إضافة إلى ذلك، يغلب على النص الأسلوب البلاغي المسجوع والشعر والغناء بدل الحبكة الروائية المحكمة، مما جعل فريقًا من النقاد يصنفه نصًا بلاغيًا أدبيًا، وفريقًا آخر يصنفه حكاية شعبية طويلة.
وهكذا، يظهر أن سبب اختلاف النقاد في التصنيف يعود إلى الطبيعة المزدوجة والمتداخلة للنص، الذي يجمع خصائص الحكاية التراثية والمقامة والاعترافات الوجدانية والرواية الغرامية، في مزيج يجعل تحديد جنسه الأدبي مسألة إشكالية ومتعددة المقاربات. فهو نص انتقالـي يعكس مرحلة أدبية لم تستقر فيها بعد الأجناس بحدودها الحديثة، لذلك ظل مفتوحًا على قراءات مختلفة، كلٌّ منها يستند إلى جانب من جوانب بنيته المركّبة.