المحاضرة السابعة
المحاضرة السابعة
الزراعة:
ظهور التقنيات الفلاحية وانتشارها يدل ظهور الزراعة على تغير بعيد المدى في أحوال الناس ، فقد تطورت هي الأخرى على مهل ، وكان الانسان قبل ذلك يعيش في مجتمعات صغيرة وكان يقضي حياته في اقتناص الغذاء ، يتبع الحيوانات التي تعتبر طعامه الرئيسي ، ثم أخذ يرعى تلك الحيوانات بعدما أصبح يربيها ، ثم بدأ في زراعة الغذاء قصدا ، وكان يحرص المكان الذي يزرع فيه حبوبه التي كان يكمل بها غذاءه من اللحم ، وتحدد بذلك مجال تربصه لصيد الحيوانات بسبب رعيه ماشيته التي كانت نصف مستأنسة في انتظار المحصول ، ثم أخذ يبحث عن وسيلة يخزن فيها الطعام وبذلك دخل في طور العمل والإنتاج وبهذا أصبحت أوقات أكلاته منتظمة بعدما كانت تعتمد على الصدفة المواتية ثم أصبح مدّخرا بعدما كان يعيش تحت رحمة الصدف والظروف.
مع إن الأفكار الراسخة حول أصول الفلاحة بقيت مدة طويلة تعتقد بتمركزها بالشرق الأوسط وأنها منطقة المهد الزراعي والرعوي وأيضا مركز العصر الحجري الحديث ، واعتبروا المنطقة أيضا نواة الحضارة وموطنها الأول ، لكن لا يجب الإغفال عن المساهمة التي قدمتها إفريقيا لتاريخ هذه الفلاحة العالمية تلك الأفكار المسبقة المتولدة عن الاستعمار وكذلك الجهل بأصول العديد من المكونات الزراعية الإفريقية ، وبصفة أخص في فترة ماقبل التاريخ ، جعلهم ولمدة طويلة ينتقصون أو حتى يجهلون الدور الذي قامت به إفريقيا في تطوير الفلاحة وتقنياتها ومواردها إلا أن هذه النظرة تبدلت ظهور الاهتمام الحقيقي في دراسة أصول الفلاحة الإفريقية فكان ذلك الانتقال من قطف الثمار وصيد الحيوانات إلى الإنتاج الزراعي وتربية الحيوانات قد جعلت الانسان الإفريقي يتحرر تدريجيا من صعوبات الحياة ، وفوق هذا رأى بعض الباحثين أن الأفارقة قد ابتكروا فن الزراعة مستقلين دون أن ينقلوها من الخارج ، واعترفوا كذلك أن الزنوج كانوا في تاريخ مبكر يزرعون أنواعا من البقليات أنواعا من الذرة الرفيعة والأرز وغيرها) والفول السوداني والقرع والبطيخ. ومن المتفق عليه كذلك أن أعظم إنجاز حدث هو زراعة القطن البري وتطويع خيوطه للنسيج وكذلك استخلاص الزيوت من بعض النباتات ، ويعتقد أن معظم هذه النباتات قد انتقلت زراعتها إلى المصريين فيما بين 3000 و 1000 ق. م. ثم إلى أوربا والهند ،
16
والمحصولات الأساسية التي آلت من منطقة مابين النهرين ومصر عبر النيل كانت الشعير والقمح والفول والعدس والبصل والعنب والبطيخ والتين والزيتون.
في
استطاع الزنوج منذ ما يقرب 2000 أو 3000 سنة ق. م. أن يقيموا اقتصادا مبنيا على الزراعة الدائمة المنطقة الواقعة بين الغابة والصحراء ، وهناك أدلة كثيرة على أن المنطقة التي تعرف باسم الصحراء كانت في تلك الفترة أكثر خصبا وكانت تستوعب كثيرا من السكان الذين ينتشرون فيها ويرعون قطعانهم ، وأن الزراعة في تلك المنطقة كانت ممكنة بدون استخدام الري في معظم أجزائها حتى حوالي 2000 ق. م. وأن رعي القطعان كان منتشرا حتى 1000 ق. م. الأصل الإفريقي لبعض النباتات المزروعة
حتى نهاية الخمسينيات من القرن العشرين كان الاعتقاد السائد هو أن الزراعة في إفريقيا جنوب الصحراء جاءت في تاريخ متأخر ، إلا أنه أثيرت تساؤلات كثيرة حول هذه النظرية التقليدية وعن أصول الزراعة ، حيث حددت مناطق أصل الكثير من الزراعات بغرب إفريقيا حول منابع نهر النيجر والسنغال ، ومن الواضح مع ذلك أن اليام ( أحد أنواع الأرز والذرة الصيفية وزيت النخيل ومحاصيل ثانوية أخرى كثيرة هي كلها محاصيل محلية في غرب إفريقيا ، كما وجدت بإثيوبيا محاصيل زراعية كثيرة مثل التف tef وغيره من الحبوب بجانب نبات الموز البري ، وأن الزراعة تطورت هناك في وقت مبكر وربما في حوالي 3000 ق. م. كما يبدو أن دلتا النيجر ومرتفعات فوتاجالون في أعلى حوض السنغال ونهري النيجر وناميبيا والبيئات السودانية بشكل عام كانت مناطق بؤرية لبعض المحاصيل كالأرز
والقمح الغيني.
مركز البحر الأبيض المتوسط ترتبط بهذا المركز مجموعة كاملة من النباتات المزروعة التي تمتاز بها مناطق البحر الأبيض المتوسط من ذلك الحبوب والبقول الجافة ، وهذه النباتات تدل على وجود قرابة بين هذا المركز ومركز الشرق الأدنى ، إضافة إلى الزيتون والبلوط ، إلا أن البعض من هذه النباتات تختص بها إفريقيا فقط كاللوز.
المركز الحبشي نجد فيه قرابة نباتية توليدية مع مركز الشرق الأدنى من حبوب وبقول جافة ، ويبدو أن هذه النباتات الآتية من آسيا قد مرت من هذا المركز عند تغلغلها في إفريقيا ، كما كان لهذا المركز نباتات مولدة تختص بها ، منها شجرة البن والموز الحبشي وغيرها.
مركز شرق إفريقيا يمتاز بأنواع مختلفة من الذرة. مركز غرب افريقيا نجد فيه أصل مختلف أنواع الذرة وكذلك مختلف أنواع الأرز في المناطق الأكثر رطوبة. ومما لاشك فيه أن حضارات الموطن الفلاحي وسعت حقولها على حساب الغابات عندما اعترضتها في توسعها ، وقد ساهم هذا الوضع في تطور عمليات تحويل تلك المناطق إلى سباسب خاصة الذرة كما سبق ذكره والتي تعتبر إفريقيا موطنها الأصلي ، ومنها بلغت إلى مناطق أخرى متعددة من العالم ، كما أن زراعة الأرز كانت قائمة خاصة غرب إفريقيا و هو أنواع من الأرز الخاصة بإفريقيا والتي لا علاقة لها مع الأرز الأسيوي. يُظهر كل هذا بوضوح وجود حضارات زراعية نشأت اعتمادا على الموارد النباتية المتوفرة بالبيئة المحلية وبدون أن نتصور بالضرورة وجود تأثيرات خارجية عن إفريقيا. وكما صدرت إفريقيا بعض الأنواع النباتية مثل الذرة ، فإنها استوردت من جنوب شرق آسيا بعض النباتات على غرار الموز الذي غزى بسرعة الغابات المدارية الإفريقية ، كما كان الحال بالنسبة لبعض الحيوانات. أما فيما يخص ضبط الفترة ضبطا دقيقا لما قبل تاريخ الفلاحة الإفريقية وتاريخها فالأمر ليس سهلا يسيرا على أننا نعتقد أن الفترة الحاسمة في بداية عمليات بداية التأهيل في إفريقيا طرأت بين الألف التاسعة والألف الخامسة قبل الميلاد لتجني ثمار مجهوداتها بداية من الألف الرابعة والثالثة قبل الميلاد.