Section outline

  • الأسرة وغرس قيم الإتصال                 ما هي أهمية الأسرة في المجتمع.. 4 أشياء تظهر مكانة الأسرة 

    يتعلم الفرد أبجديات الاتصال الأولى في أسرة انتمائه، فعلاقته الأولى هي علاقة بيولوجية غريزية بينه وبين أمه، أين يتعرف على ملامحها وصوتها ويتطور لديه سلوك الإتصال شيئا فشيئا مرورا بوالده وإخوته فالعائلة ككل، ثم إن فهم العلاقات الإتصالية لا يكون إلا بفهم هذا الكيان الهام في المجتمع، أو كما تقول الباحثة الجزائرية "جيماوي. ن" بهذا الصدد: "إن الباحث الأنثروبولوجي لا يستطيع فهم العلاقات الإجتماعية سواء المتعلقة بالعلاقة بين الرجال والنساء، أو بتشكيل المجموعات الإجتماعية، أو بالعلاقات بين المجموعات أو السكن وإمتلاك الأرضي والإرث وتصور الشخصية والعلاقات بالأجداد والتراتبيات الإجتماعية وغيرها، دون المرور بتحليل القرابة، فالعديد من المفكرين يتفقون على أن القرابة تؤدي العديد من الوظائف الإجتماعية والنفسية والسياسية والإقتصادية التي تعمل على إستقرار المجتمع البشري وإستمراره، وهو ما جعلها تكتسي أهمية كبرى داخل البناء الإجتماعي".

    ويجدر منا أن نذكر القارئ بأن تطور العملية الإتصالية للفرد من خلال نظام القرابة، ليس بمعنى الشق الإيجابي وفقط، بل قد يتطور للسلب حسب نوعية علاقات الإتصال، ما ينعكس على تفاعله مستقبلا مع الآخرين ممن يتواجه معهم كعضو في الجماعة والمجتمع عامة.

    تعرف الباحثة الجزائرية "فريدة فلاك" الأسرة بأنها "الخلية الأولى والأساس الذي يقوم عليه كيان المجتمع، باعتبارها البيئة الطبيعية الأولى التي يولد فيها الطفل وينمو ويكبر، حتى يدرك شؤون الحياة ويشق طريقه فيها، وتشترك مع المدرسة في التنشئة والتربية، كبيئة ثقافية يكتسب منها لغته وقيمه، وكذا تكوينه النفسي والجسمي والعقائدي والإجتماعي، حتى يكون فردا مؤهلا بما يكتسبه من قيم مجتمعه السوسيوثقافية، ما يدعو للمزيد من الحرص على القيام بالأدوار على أكمل وجه، من طرف الأنساق الرئيسية المكونه لها كمؤسسة سوسيوثقافية، خاصة في ظل تغير الأدوار وتعددها، ومشاركة المرأة الجزائرية لمهام ووظائف متنوعة، تجاوزت الأدوار الكلاسيكية التي عهدها عليها المجتمع في منظومته التقليدية.

    تقول الباحثة الجزائرية "فوزية صغيري" في مقال لها تحت عنوان: "تطور اتجاهات ومستويات الزواج بالجزائر" "أن نمط الزواج في الجزائر عرف تغيرات كبيرة يمكن إرجاعها إلى سلسلة التحولات الاقتصادية والسياسية خلال السنوات الأخيرة، وأبرز ما يتجلى من خلال هذا التغير هو الارتفاع المستمر لسن الزواج الأول بالنسبة للذكور والإناث معا، وهذا ما يشير إلى تداخل عوامل أخرى تحدد سن الزواج الأول وتؤثر فيه أهمها؛ تدني المستوى المعيشي، انتشار البطالة وأزمة السكن وارتفاع تكاليف الزواج ، بالإضافة إلى ارتفاع نسب التحضر، وهذا ما يفسر تباين سن الزواج بين المناطق الريفية والحضرية في جميع التعدادات الوطنية،......" وهذا ما نهدف إليه في دراساتنا الأنثروبولوجية انطلاقا بالإختلاف بين التقليدي والمعاصر، وكذا بدءا بسن الزواج وصولا إلى مختلف الممارسات التي ترافق العملية الزواجية ككل، وتستمر الباحثة قائلة: "وهذا ما نهدف إليه من خلال هذه الدراسة بتحليل جميع العوامل والمتغيرات المؤثرة على مستويات الزواج في الجزائر، ففي المناطق الريفية لا تزال العادات المتوارثة تحبذ الزواج المبكر خاصة عند الإناث، في حين أن المدينة بكل متطلباتها تؤثر على هذه القيم وتوجهه بما يتماشى مع تصورات وأوضاع الحياة الحضرية1، وتأخذنا "الباحثة الجزائرية "ليلى جمعي" إلى زاوية هامة هي منطلق نشوء العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمعنا الجزائري، وهي مسألة الزواج العرفي وتداخله مع الثقافة المحلية المزدوجة بين قوسي القانون الوضعي (التشريع الرباني- الدولة المدنية)، حيث توضح الباحثة بأن "نظام الأسرة في الجزائر على غرار العديد من الدول الإسلامية يؤسس على الزواج، وهو ما أكدت عليه المادة 2 من قانون الأسرة بنصها على أن الأسرة هي الخلية الأساسية للمجتمع وتتكون من أشخاص تجمع بينهم صلة الزوجية وصلة القرابة، لذا لم يعترف قانون الأسرة الجزائري استنادا إلى الشريعة الإسلامية، بإعتبارها المصدر المادي لهذا القانون، بتعدد أنماط الأسر مثلما هو عليه الحال في العديد من الأنظمة القانونية الأخرى التي تعرف الى جانب الأسرة الشرعية، الأسرة الطبيعية والأسر بالتبني، والأسرة معاد تشكيلها، وغيرها…، إلاّ أن المشرع الجزائري على نهج العديد من التشريعات الحديثة اشترط وجوب توثيق وتسجيل عقد الزواج ليرتب آثاره الشرعية، لسد الطريق أمام لجوء الأشخاص المقبلين على الزواج إلى ما يعرف ب الزواج العرفي بسبب المشاكل التي قد تنجم عن هذا الأخير مثل كثرة النزاعات وضياع الحقوق، إلا أن هذا لم يردع بعض الأزواج من اللجوء إلى الزواج العرفي لأسباب شتى، وهو ما يعرف أيضا عندنا بـ الزواج بالفاتحة، ويشترك الزواج العرفي كما هو معروف في المجتمع الجزائري، مع نظيره المنتشر في العديد من الدول العربية، في افتقاره للرسمية اضافة إلى عدم تسجيله لدى السلطات المختصة، والتي تعد المخولة قانونا بإبرام عقد الزواج وتسجيله، إلا أنه يختلف عنه في كونه زواجا شرعيا، لا يمكن وصفه بأي حال من الأحوال بأنه في حكم العدم، أو أنه زواج غير شرعي، أو أن العلاقة الناجمة عنه تعتبر في حكم الزنا وفق ما يردده عديد العلماء (فتاويهم وتدخلاتهم حول حكم الزواج العرفي)، لأن مفهوم الزواج العرفي وشكله في الجزائر ودول الغرب الإسلامي يعد مختلفا كليا عن نظيره في العديد من دول المشرق الإسلامي، باستثتاء اشتراكهما في غياب عنصر الرسمية في كل منهما، وعدم الإنتباه لمثل هذه الحقائق من شأنه، أن يرتب مشاكل لا نهاية لها، كدخول بعض النساء في علاقات زواج جديدة دون أن تكون حلا من زواج سابق بحجة أن الفاتحة لا تعد زواجا في منظور الشريعة الإسلامية".

    إن ما سبق يستدرجنا إلى تناول الإتصال الأسري وما ينتج عنه من تفاعل اجتماعي، من خلال العلاقات الإجتماعية بين الفرد وأعضاء الأسرة الواحدة خاصة (علاقة الأباء بالأبناء)، حيث لا يمكن للفرد أن ينمو النمو السليم بدنيا ونفسيا وعقليا بانعدام العلاقة هاته، وبالتالي فكل العلماء يؤكدون على دور العلاقة الوالدية القويمة في تقويم الفرد والتأسيس له كنسق هام في البناء الأسري فالمجتمعي.

    يعرف الباحث الأمريكي "تشارلز كولي" الإتصال الأسري على أنه: "العلاقات التي تقوم على التعاون الواضح والصراع والتعبير الحر عن الشخصية والعواطف لتنشئة الأفراد"، وأعقب على تعريفه الذي فيه جانب من الصحة كون الفرد يخلق بمقومات تجعله مستقبلا متميزا عن الآخرين، لكن لا يحصل هذا إلا بالوقوف على  مفهوم الحرية والصراع والتعبير الحر عن الشخصية، فالحرية في منظور القيم الإجتماعية الجزائرية تختلف عن الحرية في منظور المنظومات السوسيوثقافية العالمية المتمايزة، ويدعونا هذا إلى ضرورة العمل على توعية المقبلين على تكوين أسر، بالخدمة الإجتماعية وقبلها الخدمة التربوية بإدراج الأهداف الرئيسية للعلاقة الزواجية التي تتجاوز مجرد علاقة ذكر بأنثى إلى علاقة رجل بامرأة وهو ما يشرعه الدين الإسلامي الحنيف، وتؤكده قوانين الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية التي تصفه بـ (الميثاق الغليظ)، ووجب أن تنهجه المدرسة في برامجها التعليمية والجامعة من خلال أبحاثها العلمية، حتى لا نصاب بداء التملص إن حق لي التطفل على المصطلحات العلمية، وهو ما نلمسه في كثير من الأحيان من طرف عديد المبحوثين الذين يهربون إلى الأمام ويوجهون أصابع الإتهام للزمن، كقولهم: "بكري كنا غايا"، "الوقت تبدل ميشي كيما بكري"، أو بتوجيه التهم إلى الأسرة نفسها التي بحسب الكثيرين منهم قد تخلت عن دورها الرئيسي في التنشئة وخلفت الأم البيولوجية أما ثانية "المربية في الحضانة"، وقد لفت انتباهي في العالم الإفتراضي الذي صار يوازي العالم الحقيقي أو يفوقه أحيانا في التأثير على الأفراد، أحد المنشورات الساخرة تقول: "إذا كنت تريد أن تربي أبناءك أمهم الحقيقية، فتزوج مربية دور الحضانة نفسها"، وإن كنت أنقل هاته الكلمات الساخرة متألما على واقع الإستهتار بدور الأسرة الحقيقي الذي يستوجب تضافر جهود مختصي الخدمة الإجتماعية، والمسجد، والمدرسة والإعلام، لمواجهة ومجابهة التغيرات الحاصلة في مجتمعنا الجزائري، في ظل التعولم ودعوات التقارب الثقافي المسخر لها كل الإمكانيات المادية والتقنية والبشرية وغيرها.

    ‫كلود ليفي ستراوس مقالات في الأناسة | Anthropos.hira‬‎‫تحميل كتاب الفكر البري - كتب PDF‬‎‫حضور الدين وغياب الآلهة_ كلود ليفي شتراوس.pdf‬‎تصفح وتحميل كتاب كلود ليفي شتراوس..الأنثروبولجيا البنيوية..الجزء الثانى Pdf  - مكتبة عين الجامعة

    لقد انتقد "شتروس"، المجتمعات الحديثة ونظامها العائلي والإجتماعي، حيث رأى بأن تأثير التطور التقني الطبي ألقى بظلاله على نظام القرابة، من خلال العلاقات البيولوجية، التي غلبت الإجتماعية، وقد تساءل عن تلك العلاقات التي يتم من خلالها تخصيب البويضات، من طرف رجال ونساء من أماكن مختلفة، والتي أنتجت (أمان إثنان وأب واحد - ثلاث أمهات وأب واحد - أم واحدة وآباء مختلفون، بالإضافة إلى الأم والأب العاديان)1، وقد أوضح بأن هذا يتواجد في قبائل الهنود بالبرازيل، حيث بإمكان الرجل أن يتزوج دفعة واحدة عدة أخوات، أو أما وبنتها التي أنجبتها مع زوج سابق، ثم إن هؤلاء النسوة يتكفلن جميعا بتربية أطفالهن2، ومن خلال هذا الطرح يتضح لنا بأن "كلود ليفي شتروس"، يحاول ربط الصلة بين ما توصل إليه المجتمع الحديث، بالمجتمعات الإنسانية القديمة في مسألة القرابة، فهو استطاع أن يحدث تغيرات أساسية في التفكير الأنثروبولوجي وهذا لم ينطبق على فرنسا فقط بل شمل العالم الخارجي كذلك، وأمكنه ذلك من صياغة نظرية جديدة في القرابة وتأثر بها الكثير من العلماء المعاصرين، وخصص للنسق القرابي كتابا من أهم كتبه "الأبنية الأولية للقرابة"، وقد عرف القرابة على أنها عبارة عن انتماء شخصية أو أكثر إلى جد واحد أو اعتقادهم أن لهم جدا واحدا، وهو ما يتواجد في مجتمعنا الجزائري، حيث تؤسس العروشية إلى مفهوم الإنتماء الذي يعتز به الأفراد، وإن كان في أصله مباحا من نظرة الدين والقانون، لكنه لا ينبغي أن يتجاوز حدود معرفة الإنسان بتاريخه وأصوله إلى التعصب، وقد أشرت في إحدى مقالاتي المنشورة في مجلة المعيار عن جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، إلى الإنعكاسات السلبية للولاء المبالغ فيه إلى جماعة الإنتماء، سواء كانت هاته الجماعة دينية، ولا ينكر أحدنا أننا صرنا نلتمس الصراع جليا في مجتمعنا الجزائري بين تيارات دينية متعددة في مسائل فقهية أصل الإختلاف فيها رحمة، كمسألة زكاة الفطر التي يتعنت فيها البعض مستلزما إخراجها قمحا أو شعيرا، وفي المقابل ينظر الطرف الثاني جواز إخراجها نقدا، وقد بلغ بالكثيرين حتى لا أقول الكل ممن ينتسبون للفكر الأول، تبديع من يخالفهم في هاته المسألة، بالرغم من اجتهاد الطرف الثاني لإعطاء الحجة، وأنقل لكم ما قال به الدكتور محمد ـ د وهو أستاذ جامعي مختص في علم إجتماع الدين، وإمام متطوع، يؤكد وسطية فكره واعتدال توجهه، عنوان مقاله الآتي: "إثراء فقهي لا جدلي - قيمة معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه -".

    يقول: سأورد نقولا من (فتح الباري) إضافة إلى ما ذكرته من قبل من اعتبار الصحابي الجليل أبي سعيد الخدري رضي الله عنه نصفَ صاع من حنطة في الزكاة (قيمةً) لا مجرد استبدال طعام بطعام، وهذا رد على من يقول بالفرق بين القمح والنقود، فإن أبا سعيد صرح بلفظ (القيمة) في عبارة له ستأتي: (قيمة معاوية)، وكان إخراج نصف صاع قمحا (حنطة) مما أمر به معاوية رضي الله عنه ووافقه عليه الناس، وبه يتأكد ما سبق من أن المسألة خلاف بين الصحابة أنفسهم، بل كاد إخراج القيمة يكون إجماعا لولا اعتراض أبي سعيد وابن عمر، والإجماع ذكره الطحاوي، ويتبين ما ذكرنا من أن القمح لم يكن موجودا زمن النبوة، وأغرب من هذا كله نقل الحافظ ابن حجر أن إخراج القيمة (نصف صاع قمحا) نُقل بأسانيد صحيحة عن سبعة من الصحابة (عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم)، وبقول الحافظ إن إسناد هذا صحيح، ينتفي ما قال في آخر كلامه بأن الأخذ بالقيمة اجتهاد مخالف للنص، فإن معاوية وسبعة من الصحابة - منهم خليفتان راشدان - لا يجرؤون على مخالفة النص باجتهاد ما لم يروا أن النص يحتمل الاجتهاد.

    إليكم بعض ما قاله الحافظ رحمه الله ليتبين أن في الأمر سعة:

    - أخرج ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله بن عثمان بن حكيم عن عياض بن عبد الله قال: قال أبو سعيد وذكروا عنده صدقة رمضان فقال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: صاع تمر أو صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع أقط، فقال له رجل من القوم: أو مدين من قمح، فقال: لا، تلك (قيمة معاوية مطوية لا أقبلها ولا أعمل بها).

    - وقال ابن المنذر أيضا: لا نعلم في القمح خبرا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه، ولم يكن البُر بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمة، فغير جائز أن يُعدَل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، (ثم أسند عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم [بأسانيد صحيحة]، أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح، وهذا مصير منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفية، لكن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة خلافا للطحاوي.

    - وأما من جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير فقد فعل ذلك بالإجتهاد، بناء منه على أن قيم ما عدا الحنطة متساوية، وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثمن، لكن يلزم على قولهم أن تعتبر القيمة في كل زمان، فيختلف الحال ولا ينضبط، وربما لزم في بعض الأحيان إخراج آصع من حنطة، ويدل على أنهم لحظوا ذلك ما روى جعفر الفريابي في "كتاب صدقة الفطر" أن ابن عباس رضي الله عنه لما كان أمير البصرة، أمرهم بإخراج زكاة الفطر وبين لهم أنها صاع من تمر، إلى أن قال: أو نصف صاع من بر، قال: فلما جاء عليّ ورأى رخص أسعارهم قال: (اجعلوها صاعا من كل)، فدل على أنه [كان ينظر إلى القيمة] في ذلك.

    - قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، أما أنا فلا أزال أخرجه أبدا ما عشت، وله من طريق ابن عجلان عن عياض: فأنكر ذلك أبو سعيد وقال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله صل الله عليه وسلم ، ولأبي داود من هذا الوجه: لا أخرج أبدا إلا صاعا، وللدارقطني وابن خزيمة والحاكم: (فقال له رجل: مُدين من قمح، فقال: لا، تلك [قيمة معاوية] لا أقبلها ولا أعمل بها.

    - قال النووي: تمسك بقول معاوية من قال بالمدين من الحنطة، وفيه نظر لأنه فعل صحابي قد خالفه فيه أبو سعيد وغيره من الصحابة ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بحال النبي صل الله عليه وسلم ، وقد صرح معاوية بأنه رأي رآه، لا أنه سمعه من النبي صل الله عليه وسلم، وفي حديث أبي سعيد ما كان عليه من شدة الإتباع والتمسك بالآثار، وترك العدول إلى الاجتهاد مع وجود النص، وفي صنيع معاوية وموافقة الناس له دلالة على جواز الاجتهاد، وهو محمود، لكنه مع وجود النص فاسد الاعتبار.

    - قلت: لا أدري هل هو كلامه أو كلام النووي رحمه الله، ولكن كيف يفسد الاعتبار مع عمل غالب الصحابة؟ ...إنتهى مقال الأستاذ.

    إن كلام الأستاذ الذي ذكرته يندرج ضمن الحرص على تذكير الجميع بضرورة التقصي والبحث العلمي، قبل الخوض في إبداء الأحكام التي قد تضر بالبناء الإتصالي وتشوهه، وتنتقل به إلى الخلاف المذموم، حيث التمسنا في عديد الأحيان بروز الصراع  داخل المسجد، فقد تعرض والدي الذي اتخذت منه أحد المبحوثين حسب ما أبلغنيه للمضايقة وهو يصلي سادلا ذراعيه، لما أتاه أحدهم مستنكرا عليه السدل وداعيه للقبض.

    ‫الولاء: الولاء الثابت: أركان الواجب والوفاء - FasterCapital‬‎

    كما يعتبر الولاء للجماعة سلبيا إذا كان مرده للقبيلة أو العرش، حيث يصطلح عليه شعبيا (البنعميس)، إذا ما حقق غايات لمجموعة ضيقة على حساب مجموعة أخرى ربما هي الأحق، ما يؤسس لحدوث شروخات داخل المجتمع الواحد التي تربطه أواسر أعمق من القبيلة والعرش، وقد تكون العصبية للمنطقة وما يرافقها من تنابز كـ (بحري، وتلي وقبلي، وصحراوي وغيرها)، من دواعي تفشي الكراهية والتنافر والتباغض، وهو ما يتنافى مع تصبو إليه العلوم الإجتماعية والإنسانية في سبيل تحقيق التقارب الإجتماعي، وأستذكر زيارة لي لمدينة الجلفة في يوم من الأيام، وبدعوى أحد المشايخ الذي يشرف على إحدى المدارس القرآنية، التي تعد امتدادا لجمعية العلماء المسلمين في المنطقة، حيث أشار إلى ضرورة التركيز على ما (يجمعنا لا ما يفرقنا)، وهو ما تؤكد عليه منظومتنا الدينية السمحاء، وتنتهجه بلادنا الجزائر امتدادا لزوايا الدين الرحمانية والقادرية وغيرها ممن حرصت على مواجهة ما تعرضت له الجزائر من محاولات تغريب وتذويب وتفريق، لتكون على ما هي عليه الآن (موحدة)، ونموذجا للوسطية والإعتدال.

    إنني من خلال العنصر السابق أدعو كل مؤسسات التنشئة الإجتماعية إلى ضرورة تكثيف أواصر التواصل الداخلي مع أنساقها المكونة لها، وتكثيف الإتصال الخارجي الذي يؤسس لمنظومة سوسيوثقافية متينة ومتميزة عن ثقافات المجتمعات الأخرى، وهي دعوة للمحافظة على الهوية الجزائرية المحلية التي ساهمت في تشكلها عديد العوامل التاريخية والحضارية، والتنوع الذي تشهده يتحدد من خلال: الدين، العولمة، السياسة، المدنية، اللغة وغيرها من المقومات، تقول بهذا الصدد الباحثة الجزائرية "مليكة صياد": "إن مجتمعنا الجزائري يشترك أفراده في العديد من الخصائص وهذا لا يعني تطابقهم الكلي بقدر ما يعني تشابههم وتوافقهم في عديد المميزات التي تجعلهم يشكلون ما يسمى بالثقافة الجزائرية الموحدة"، وهو ما جاء به الباحث الجزائري "أحمد بن نعمان" في دراسته حول "السمات الشخصية الجزائرية"، والتي لم تكن لتتواجد لولا تواجد هوية موحدة للأفراد، هذا التوحد هو في مجال الدين والذي يعتبر دين الدولة في الدستور الجزائري، وكذا في اللغة التي يتفق الجميع على تنوعها اللهجي من منطقة إلى أخرى والذي لا يؤثر على الوحدة اللغوية رغم الأقاويل التي تخلق كل مرة، على غرار (الفرونكوفونية والعربية واللسان الأمازيغي)، فالرجل التارقي يفتخر بتارقيته والرجل الميزابي يفتخر بميزابيته والرجل الشاوي يفتخر بشاويته، لكن هناك عوامل أكبر تجعل منهم جميعا يعيشون بسلام، ألا وهي القوة الغيبية الروحية (التصور)، والمتجسدة تدينا (ممارسة)، حيث يجمعهم ويقر باختلافهم في حدود التكامل والسلام، كما قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) (سورة الحجرات، الآية13)، فالدين لا يوحد النسب لكنه يوحد القلوب والأرواح، وهو ما ينطبق على شق اللهجات أيضا لمناطق الغرب والشرق والشمال والجنوب، فالعربية بلهجاتها المختلفة هي بدورها وسيلة للتواصل في منظومتنا لا للتميز أو التمييز.

     

    قائمة المراجع:

    - نتيجة، جيماوي. نظام القرابة بالمجتمع (ماهيته وأهميته ووظائفه): مجلة التغيير الإجتماعي، جامعة بسكرة، الجزائر، ع4، 2017، ص335.

    - فريدة، فلاك. مقاربة سوسيو إعلامو تربوية لتوطيد العلاقة بين الأقطاب الثلاثة الأسرة والمدرسة والمجتمع من خلال وسائل الإعلام الجديدة: مجلة التغير الاجتماعي، جامعة محمد خيضر، بسكرة، الجزائر، م5، ع2، 2020، ص17.

    - أنظر:  فوزية، صغيري. تطور اتجاهات ومستويات الزواج بالجزائر.

    - علاء الدين، كفافي. الإرشاد والعلاج النفسي الأسري: دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، 1999، ص123.

    - خلاص، دحمان. الإتصال الشخصي وأسس التواصل الأسري: الأسرة والمجتمع، م6، ع1، 2018، ص ص 18-32.

    - كلود ليفي، شتروس. الأنثروبولوجيا البنيوية: ت. مصطفى صالح، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، سوريا، ج2، 1973، ص63.

    - محمد تاج الدين، طيبي. إثراء فقهي لا جدلي - قيمة معاوية: المقال تم نشره يوم الخميس 20 أفريل ، 2023، وتم رؤيته الإثنين 24 أفريل 2023.

    https://www.facebook.com/profile.php?id=100028280804951&sk=about

    - مليكة، صياد. الهوية الثقافية الماهية والمقومات الأساسية في خطاب البشير الإبراهيمي: مجلة بدايات، جامعة الأغواط، الجزائر، م2، ع2، 2020، ص ص 79_86.

    - أحمد، بن نعمان. سمات الشخصیة الجزائریة من منظور الأنتروبولوجیا النفسیة: المؤسسة الوطنیة للكتاب ENAL، الجزائر، 1988.

    • عديد الباحثين الجزائريين تناولوا موضوع القرابة على غرار الباحثين الذين تم ذكرهم في المحاضرة، ما هي آراؤهم حول تطور نمط البناء القرابي بمرور الزمن بين الماضي والحاضر؟

      هل فعلا تم التحول من بناء قرابي تحكمه العائلة الممتدة إلى نظام قرابي تحكمه الأسرة النووية؟