Section outline

  •  

    الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) .. ودراسة السلوك البشرى

    لم يغفل كبار المنظرين الإجتماعيين المعاصرين من أمثال "بيار بورديو"، و"ميشال فوكو"، و"يورغن هابرماس"، أهمية لغة التواصل المتزايدة، خاصة في ظل التحولات الإجتماعية الهائلة، فإذا ما لم نهتم بلغة التواصل الخاصة بنا وأهملناها، فقد نتعرض إلى موجات السيطرة والهيمنة التكنولوجية، وهو ما عبر عليه الباحثون سالفوا الذكر بـ "ثقافة ما بعد اللغة"، وهو ما صرنا نعاني من ويلاته، حيث أصبحت وسائل التواصل الإجتماعي لغة العديد من أبناء مجتمعنا الجزائري، وما نجم عنه من إغتراب نفسي وأسري ومجتمعي، وأضرب مثلا من واقعنا المعيش، حيث صار الإبن يطلب غداءه وعشاءه برسائل فيسبوكية، بدلا من التواصل الفعلي، وانحلت الجماعة الواقعية بحلول العوالم الإفتراضية، فصار حضور الشخص الطبيعي بحضور التقنية لا قيمة له، وصار الكثير منا في زياراته لأقاربه يحاول الإقتراب من علبة الشحن، أكثر منه من شيئ آخر، وقد قال لي أحدهم: بأنه يحاول إكرام ضيفه بإشباع رغبة (الشحن الكهربائي لديه)، وإن كان الأمر يبدو في ظاهره مضحكا، إلا أنه يؤكد المقولة الشعبية: "هم يضحك وهم يبكي".

    وقد خلصت دراسة الباحث الجزائري "يطو.ع" حول: "الصورة السمعية البصرية وتأثيراتها على القيم والممارسات لدى تلاميذ الثانويات (شبكات التواصل الاجتماعي، الفيسبوك *Facebook* نموذجا)" دراسة ميدانية على تلاميذ ثانويات بلدية عين الترك"، إلى أن العديد من العلاقات الواقعية لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بالنسبة للتلاميذ المبحوثين في محيطهم الإجتماعي، والتي تشمل العلاقات الأسرية والقرابية وعلاقات الجيرة والعلاقات مع زملاء الدراسة، قد انسحبت من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي، فأصبحت تتوسع وتتعمق أكثر بواسطة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي على حساب الواقع، من خلال الإقبال المتزايد من المبحوثين (أفراد العينة) من الجنسين ذكورا وإناثا، للتعرض بصورة دائمة للمواقع الاجتماعية على شبكة الأنترنت، وبخاصة موقع الفيسبوك مقارنة بباقي المواقع، وذلك لعدة أسباب تتعلق بالمرونة والسهولة في نقل الأخبار والصور ومقاطع الفيديو وغيرها من المميزات التي يتيحها هذا الموقع، مفضلين استخدام اللهجة العامية، وكتابتها بحروف أجنبية، ومن أبرز سلبيات المواقع الاجتماعية حسب الدراسة، تدعيم العزلة الاجتماعية لدى التلميذ، بجلوسه علـى هـذا الموقـع لفترات كبيرة نسبيا، بما لا يتيح له الإختلاط مع الآخرين، واستيراد العديد من المشاكل الاجتماعية الأكبر من سنه، كالتفكك الأسري، واستيراد ما لا يتوافق ومجتمعنا الجزائري، بإحلال اللغة الأجنبية محل اللغة العربية كي يتماشى مع الثقافة العالمية السائدة، كنوع من الثقافة العالية وإثبات الذات حسبه، ولو أتاحت المواقع له الحـديث والتعليـق باللغة العربية، بالإضافة إلى أن هاته المواقع تتيح مجال التعرف على أفراد وجماعات مختلفة لتكوين علاقات خاصة، كالصداقات المشبوهة بين الفتيان والفتيات، والتي قد تتطور فيما بعد إلى علاقات تتنافى ومنظومـة القـيم المجتمعية المستمدة من ديننا الحنيف، وحضارتنا الأصيلة، وبالرغم من أن المواقع هاته فضاءات للتمرد على القيم والإنفلات من الخجل والحياء، إلا أن ما يعطي الباحث الغيور بصيص الأمل، هو انسحاب العديد من التلاميذ من العلاقات الإفتراضي إلى العالم الواقعي من خلال وعي المحيطين بهم، بتجسيد التلاقي والتفاعل الواقعي المستمر.

    إن لغة التواصل الواقعية بما تحمله من فنيات وعواطف إذا ما اندثرت تندثر معها الغاية الأسمى التي طالما تميزت بها في أنماطها التقليدية، حيث عملت على مدار تاريخ تفاعل أنساقها على تماسكهم وتميزهم، ثم إن ما يشهده مجتمعنا من غزو تقني خاصة ما يتعلق بوسائل التواصل الإجتماعي، لدليل قاطع على أننا نتعرض لإستيلاب لغتنا الحية الواقعية، حيث نضم صوتنا إلى صوت الباحث "يطو"، كون لغة التواصل في هاته المواقع تفتقد إلى خصوصية اللغة الواعية ولا تمت إليها بصلة، وإن كنا في عالمنا الواقعي نعاني من استخدام العامية بدلا من اللغة الفصحى، فلغة الإتصال في المواقع الإفتراضية تزيد الوضع تأزيما، خاصة وأنها تستخدم رموزا لا علاقة لها بالعامية ولا الفصحى، وقد تعرضت شخصيا للتعامل مع هاته الرموز من خلال تواصلي مع عديد الأشخاص، على غرار (HMD) والتي أستذكرها في ذات المرات التي تواصلت بها مع أحدهم بلغة عربية فصحى، في بدايات استخدامي للفيسبوك سنة 2010، حيث شرحها لي بأنها تعني (الحمد لله)، وSLM)) التي تعني (السلام عليكم)، وأحيط القارئ علما بأن حديثي بالعربية الفصحى في العالم الإفتراضي، هو نتاج ما تعرضت له في تنشئتي من خلال التكامل بين أسرة انتمائي والمسجد أين درست القرآن الكريم، وكذا المدرسة، ساندني في ذلك اعتبار والدي إطارا في قطاع التربية، وحرص أمي رحمها الله تعالى على هذا التكامل، وهو ما يؤكد دور الأم الهام في إعداد جيل متشبع بقيم مجتمعه، حيث تؤكد الدراسات النفسية والإجتماعية بأن علاقة الأم بطفلها تكمن أهميتها في نوعية التعامل معه، وليس في عدد ساعات التواجد معه، وذلك من خلال ما تمنحه من حنان وعطف وعناق، يقوي شخصيته ويزيد من ثقته في نفسه، ما يخوله بتأدية الدور الإيجابي المنوط به اجتماعيا.

    إن الإتصال السلبي من خلال المواقع الإفتراضية لا يقتصر على الرموز التي تختلف عما يتعارف عليه مجتمعنا الجزائري، ولكن فيما تحويه من جفاء (لغة جافة)، لا ترتقي حتى إلى لغة (الماوماو)، كونها افتراضية في مقامها الأول، ومختصرة ولا يلتمس منها الإشباع النفسي والروحي والجسدي المنشود في لغة التواصل الحقيقية، وهو ما ينذر المعنيين من المختصين في العلوم الإجتماعية والإنسانية، وكذا القائمين على وسائل الإتصال المتعددة، ويستدعيهم إلى ضرورة العمل على دراسة الواقع وتحليله وتقويم ما يمكن تقويمه، خاصة وأن الفئة الأكثر تعرضا لهذا (الإتصال الوهمي) هي فئة المراهقين والشباب، التي تعتبر اللبنة الأساسية في بناء مجتمعنا الجزائري.

    إن ما تحاول الأنثروبولوجيا الوصول إليه في هذا السياق هو تحقيق الإتصال اللغوي الواقعي الذي يعد القاعدة الأساس لكل الإتصالات الأخرى المتفرعة، وهو ما تزخر به منظومتنا اللغوية غنا وثراءا، لا يكتفي بالتواصل فحسب بل يرتقي به إلى فن التواصل، فاللغة مقوم اجتماعي وثقافي، يعبر من خلالها الأفراد عن ثقافة انتمائهم، أو كما يعرف "ألبرت هنري" الإتصال على أنه "نقل المعنى من شخص لآخر من خلال العلامات أو الإشارات أو الرموز من نظام لغوي مفهوم ضمنيا للطرفين"، ويتجسد من خلال العلاقات الأولية البسيطة التي يعيها الفرد بتعامله المستمر مع من حوله، ويسلكها في مجتمع الإنتماء لا شعوريا وفي غالبها تكون عفوية، مثل ما تؤكده التفاعلات اليومية كإلقاء التحية، وما يرافقها من إشارات محددة كرفع اليدين والإشارة بهما، أو الإبتسامة، هذا من زاوية التفاعل الإيجابي، وما يرافقها أيضا من تفاعل سلبي كالتلفظ بعبارات مشينة لا يعترف بها المجتمع في سلم قيمه المثلى، وما يرافقها من إشارات وايحاءات جسدية كاحمرار الوجه، وبروز العينين وعروق الرقبة وغيرها.

    ولا يمكن أن نغفل في دراساتنا الأنثروبولوجية أنماط الإتصال التي تعودنا عليها في صغرنا من خلال اجتماع العائلة والتفافها حول الجد والجدة، أو العم الأكبر أو الخالة الكبرى، والقصص التعليمية التي توسع خيال المتلقي، وتنشط ذاكرته، بقصص في معظمها تفسير مكني للواقع، وتأسيس لأجيال تعي ما ينتظرها في واقعها الإجتماعي، من خلال الإعتبار لمدلول "المحاجية"، و"الألغاز" "والأمثال الشعبية"، ثم إننا من خلال استذكارنا لما ميزنا عبر دهور مديدة، يحقق مغزاه اجتماعيا وثقافيا حينما يستثمر في مواقع التواصل، فتسخر الأخيرة لتحقيق الإتصال الإيجابي الفعال، وتصير التقنية سببا في إحداث التطور في شقه الإيجابي على جوانبنا السوسيوثقافية، وإن كانت هناك محاولات للمحافظة على هذا الإرث من بعض الباحثين الجزائريين الذين لا تكفيهم دراستنا هاته عرفانا بمجهوداتهم، على غرار ما تفضلت به الباحثتين الجزائريتين "مباركة. ع _ ونجاة .ب" وهما مشكورتين: "يعـــدّ تـاريخ الأمم الـغربية والعربية مبنيّ على حضارات وثقافات مختلفة ومتوارثة من جيل إلى جـــيل، ولكي يستطيع الإنسان أن يستمر في حياته بشكل صحيح، لابد من الرف على ماضي أجداده، وأن يحتفظ بما تركوه كإرث ثقافي لا يمكن الإستغناء عليه، لأنّه يمثل هويته التي يستمد منها شخصيته، وذلك بالتعرف على العادات والتقاليد المتوارثة عن الأجداد، فهي تعطي مظهرا قويا في حياة المجتمع، بحيث تشكل الثقافة محورا أساسيا في عملية التنمية الإجتماعـية، وقد سال حبـر الكـثير من الكتاب في جمع التراث الـشعبي كل حسـب منطقته، نذكر على سبيل المثال: عبد (الحميد بورايو، أحمد زغب، بن علي محمد الصالح، علي غنابزية)، حيث حاول كل واحد منهم جمع ودراسة التراث بطريقة ما، ومحاولة الوقوف على جذور التراث الأصيل من (فلكلور شعبي، وأغـاني شعبية، وألغاز شعبية، وحكم شــعبية، وألعاب شعبية، وألبسة ومأكولات وعمران، ولهجات وغيرها)، خاصة في ظل خطر العولمة المحدق بالهوية الجزائرية".

    قائمة المراجع:

     -عبدالغني، يطو. الصورة السمعية البصرية وتأثيراتها على القيم والممارسات لدى تلاميذ الثانويات (شبكات التواصل الاجتماعي، الفيسبوك *Facebook* نموذجا) دراسة ميدانية على تلاميذ ثانويات بلدية عين الترك: مجلة التدوين، جامعة وهران2، الجزائر، م10، ع2، 2018، ص210.

    - مباركة، عماري. نجاة، بقاص. دور الثراث الشعبي في تنمية المجتمع الجزائري "وادي سوف وسيدي بلعباس أنموذجين": مجلة آفاق علمية، جامعة تمنراست، الجزائر، م8، ع1، 2016، ص211

    • نورمان، فيركلف. اللغة والسلطة: ت. محمد عناني، المركز القومي للترجمة، القاهرة، مصر، 2016.
    •