
أهداف المحاضرة:
تهدف المحاضرة إلى محاولة التوصل بالطالب إلى فهم أبجديات البحث اأنثروبولوجي وما الذي يتوجب على الباحث أثناء تناوله الدراسة الأنثروبولوجية القيام به، للتوصل إلى نتائج أكثر دقة.
لا يمكننا القيام بدراسات أنثروبولوجية واقعية وصادقة، دون فهم المناهج الواجب اتباعها عند كل دراسة، وباعتبار الدراسات الأنثروبولوجية دراسات ميدانية، وجب على الباحث أن يكون حاذقا باعتباره أداة بحثية نفسه، ومنه فأهم المناهج الأنثروبولوجيا هي:
المنهج الإثنولوجي
تعتبر الإثنولوجيا الجزء النظري من الدراسات الأنثروبولوجية، وهي تتمثل في تلك التقنيات التي يجب أن يتبعها الباحث الأنثروبولوجي، للحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات حول موضوع بحثه، من خلال النظريات والإتجاهات الفكرية التي تناولت موضوعه، وهي مرحلة أسبق كرونولوجيا، من المرحلة الثانية المتمثلة في المنهج الإثنوغرافي.
المنهج الإثنوغرافي
هو الجانب الميداني للدراسات الأنثروبولوجية، وهي أصعب مراحل البحث الأنثروبولوجي، حيث يتطلب من الباحث مزيدا من الصبر والحكمة والتبصر، وكذا ذكائه من أجل الحصول على أكبر قدر من المعلومات، حول موضوع دراسته، فهو الأداة البحثية الأساسية لبحثه، ولا يستطيع الحصول على معلومات كافية، إذا ما لم يكن متمكنا من استخدام وسائل البحث الميدانية، المتمثلة في الملاحظة بالمشاركة والمقابلة، اللتان يعتبران من أهم وسائل البحث الإثنوغرافي وأنجعها.
الإثنوغرافيا:
یرى "باتون "Patton أن البحث الإثنوغرافي یعنى بالثقافة بـشكل خـاص، فسؤاله الدائم هو:
- ما ثقافة هـؤلاء النـاس؟ وهل یفتـرض أن أي مجموعـة من النـاس تعـیش مـع بعضـها لفتـرة زمنیـة معینة ستكون ثقافة معینة خاصة؟
-ما انعكاسات هذه الثقافة على تشكیل ســلوكهم، وممارساتهم الحیاتیة ونظـرتهم إلى الواقع الإجتماعي والثقافي الذي یعیشون فیه[i]؟
ویـرى " "Young,Mفي كتابه "ثقافة الشرطة وطریقة عملهم في بریطانیا" أن البحث الإثنوغرافي "طریقة وأداة لفهم أسـالیب مجتمع أو جماعة ما وطرقـهم في الحیـاة الیومیـة، من خلال معرفـة أفكار أعضائه ومعتقداتهم وقـیمهم وسـلوكیاتهم، وما یصـنعونه من أشـیاء یتعاملون معها، ویــتم ذلك عن طریق الملاحظة بالمشاركة في الوضع الطبیعي الحیاتي من جانب الباحث، دون الإستعانة بمترجم حتى یستطیع فهم حیاتهم الإجتماعیة بدقة أكبر[ii]"، بمعنى أنه الدراسة الوصفیة الدقیقة لمجمل الحیاة، عند جماعة إجتماعية.
البحـث الإثنوغرافي في رأي "تیلـوین" مـنهج لبناء الحقائق، واســـتنتاج الدلائل والبراهین من المشاهدة الفعلیة للظاهرة المدروسة، ویتطلب هذا المنهج من الباحث معایشـة فعلیـة للمیدان أو الحقـل موضع الدراسة[iii]، وعلیــه یكون الباحث الإثنوغرافي من النــوع المشاهد المشارك، مــا یجعـــل البحـث الإثنــوغرافي واقعــا بــین حــدود البحــث الكیفــي السوســیولوجي المــراد الفهــم، والبحــث الإجرائـي الذي یسـتهدف الفهم والمشاركة في التغییر نحو الأفضل.
أما علماء الأنثروبولوجیا الأمریكیون، والذين تأثرت بهم شخصيا في دراساتي المتنوعة وفي أطروحتي التي نقلت لكم من خلالها هذا الشق المتعلق بالإثنوغرافيا، ومنهم "إتكنسون"، و"سـمیث"، و"دیلامونـت"، فقـد عرفـوا المنهج الإثنوغرافي بأنـه الطریقة التي یتم من خلالها وصف ثقافـة مجتمع مـا، وهو المـنهج الذي یستخدمه الباحث لملاحظة السلوك في بیئته ووضعه الطبیعي، ویتوصل من خلال هذه الملاحظات إلى معنى لهـذا الـسلوك.
- إذن البحـث الإثنوغرافي هو ذلك النـوع مـن البحـوث التـي یـتم إجراؤؤهـا بواقـع طبیعـي غیـر متكلـف، وبواسطة معیشة الباحـث الفعلیـة الملاحظـة بالمشـاركة لجميع وقـائع السـلوك في الحقل، ودونمـا أي نوع من الضـبط المسـبق"[iv]، ویعتمد المـنهج الإثنـوغرافي على الوصف والتحلیل، باسـتخدام الكلمة والعبارة، عوضا عن الأرقام والجداول الإحصائیة، فتتركز أهمیـته في كونه یقدم لنا وصفا مكثفا ""Thick Description للظاهرة محـل الدراسـة، ویشیر "مایلز" و"هوبرمان"، بأن البحث الإثنـوغرافي يسعى إلى الكشف عن "غیر المتوقع" أو "المستور" أو "المسكوت عنه"، من خلال دراسـة الظـاهرة التربویـة، اعتماداً على مشاركة الباحث المتعمقة لمجتمع الدراسـة، ولكونـه الأداة الرئیسة في جمع المعلومات وتــصنیفها وتحلیلـها[v].
1.1. أدوات المنهج الإثنوغرافي:
مع تطـور مفهوم المـنهج الإثنوغرافي، أصـبح منهجية بحثیة تعتمد وصف الظواهر الإجتماعية من خلال الفهم المتعمق لها، فعلى عكس البحث الكمي، الذي یركز عادة على التجریــب والكشــف عن الســبب أو النتیجة، بالإعتماد على المعطیات الرقمیة، فالسؤال المطـروح في البحث النوعي، سؤال مفتوح النهایـة ویهـتم بالعملية" "Process والمعنى أكثـر من اهتمامه بالسبب والنتیجة.
یعتمد المنهج الإثنوغرافي أساسا في جمع بیاناته على الملاحظـة، خـصوصا الملاحظـة بالمشاركة، والمقابلـة المفتوحـة المتعمقة مع عینة الدراسة، وینطلـق المنـهج الإثنـوغرافي من مفهوم نظري وفلسفي مناقض لمفاهیم البحـوث التقلیدیـة، ففي حـین یسعى البحـث الكمـي الإحصـائي إلى تحدیـد الأسـباب، والتنبــؤ وتعمـیم النتـائج، یسعى البحث الإثنـوغرافي إلى التبصـر، والفهم، والإستكشـاف، ودراسة السلـوك الإنساني من خـلال التفاعل بـین الباحث والمبحـوثین، وعبر الفهم المتعمق لشعور وأحاسـیس وأفكار ومعتقدات المبحوثین، ومن ثم ینتج من هذا التحلیل الكیفي نوعا من المعرفة یختلف عن نتائج البحث الكمي.
2.1. الملاحظة بالمشاركة:
وكباحث أنثروبولوجي مهتم بمجتمعي وجب علي أن أعتمد الملاحظــة بالمشاركة، كأداة لجمع البیانات، وعلیه فالملاحظة بالمشـاركة هي التي یقوم فیها الباحث بمشاركة منظمة واعیة، حسبما تسمح الظروف في نشـاطات الحیاة الإجتماعیـة، وفي اهتمامات الجماعات، بهدف الحصول على بیانات تتعلق بالسـلوك الإجتماعي، وذلك عن طریـق اتصـال مباشـر یجریـه الباحث من خلال مواقف اجتماعیة معینة[vi].
1.2.1. المراحل الأساسیة لإستخدام الملاحظة بالمشاركة:
أ. قبل الذهاب إلى المیدان:
- دراسـة الخصـائص الإجتماعیـة العامـة لمجتمـع البحـث مـن واقـع البیانـات المنشـورة المتاحـة، سـواء كانت تاریخیة أو إحصائیة، وذلك كالتالي[vii]:
- فحص أنماط الإتصال في الجماعات المدروسة.
- اكتشاف وسائل التعاون وعملیات التبادل بین أفرادها وفحص أنماط القیادة، ومشاكل الجماعة، .
- التعرف على أنماط العقاب والجزاء داخل الجماعات المدروسة.
ب. في المیدان:
نظرا لكون الباحث عضوا في الجماعة الأولیة التي یقوم بدراستها، فإنـه من المسـتحیل أن یسـجل ملاحظاته في نفـس الوقـت الذي یقوم فیه بـدوره كعضو مشارك، لهذا فإنـه من الضروري أن یبتعـد من وقت لآخر أو كلما سنحت الفرصة، لتدوین ما تم اكتشـافه والتوصـل إلیـه، كما یجـب أن یفصل ملاحظاته عن تفسیراته.
ج. عرض النتائج:
یجـب أن یحتـوي تقریـر الباحـث الـذي أجـراه عـن مشـكلة بحثـه، والذي اسـتخدم فیـه الملاحظـة بالمشاركة كأداة لجمع البیانات، البنود التالیة:
- عبارة إجمالیة عن المشكلة الأنثروبولوجية التي یبحثها.
- وصف لنوع الجماعة الأولیة التي یقوم بدراستها.
- إعطاء المرات التي كان الباحث فیها مع الجماعة.
- وصف موضوعي مختصر، للتفاعلات التي لاحظها أو سمعها.
- تفسیر الباحث للنتائج مستخدما المفاهیم الأنثروبولوجية.
- تدوین المشاكل التي واجهها الباحث أثناء الملاحظة بالمشاركة، ومالذي فعله للتغلب علیها.
3.1. المقابلة المفتوحة المتعّمقة:
3.1.1.خطوات إجراء المقابلة:
أ. التخطیط للمقابلة: وفیه یتم:
- تحدید أهداف المقابلة.
- تحدید الأشخاص الذین سیتم مقابلتهم.
- تحدید أسئلة المقابلة.
- تحدید المكان المناسب لإجراء المقابلة.
ب. تنفیذ المقابلة: ویرتبط بعاملین اثنین: تسجیل المقابلة، وتوجیه المقابلة.
- تسجیل المقابلة: یرتبط أسلوب تسـجیل المقابلة بنـوع الأسـئلة المطروحـة، فهل هي مقیدة أم مفتوحة، ویلاحـظ أن تسـجیل المقابلة یعتبر من العملیات بالغـة الأهمیـة، وذلك لإرتباطها بموضوع البحـث وأهدافـه ومستوى المفحوصین، وتتخذ عملیة التسجیل عدة أشكال، منها التسـجیل الكتابي للمعلومات أثناء المقابلة، أو اسـتخدام المسـجلات الصوتیة.
- توجیه المقابلة: تتوقف البیانات التي تسـفر عنها المقابلة، على الأسـلوب الذي یوجه بـه الباحـث المقابلـة، وتلعب شخصیة الباحث دورا هاما في هذا الصدد، ومن المهارات التي ینبغي توفرهــا في الباحث، قدرته على اســـتهلال الحدیث وتوجیهه، وكذلك مهاراتـه في إثارة عوامل التشـــویق، التي تجعل التفاعل بینه وبین المفحوص أمرا سهلا، یــؤدي إلى سهولة الحصول على الإستجابات المطلوبة.
[i] Patton m, qualitative research and evalvation methods, sage publication, london,2002, pp67-68.
[ii] David N Gellner , Eric Hirsch, Inside Organizations Anthropologists at Work, Berg Editorial offices, New York, usa, 2001, p1.
[iii] تیلوین مصطفى، مدخل عام في الأنثروبولوجیا، دار الفا اربي للنشر، بیروت، لبنان، ط1، 2011، ص ص
.105-101
[iv] - Hammersley, atkinson, Ethnography principile and practice, library of congress, new york , usa, 1995, p10.
[v] بوحوش عمار، مناهج البحث العلمي وطرق إعداد البحوث، دیوان المطبوعات الجامعیة، الجزائر، ط4، 2007،
ص137.
[vi] نفس المرجع، ص ص 95-96.
[vii] نفس المرجع، ص ص 75-80.