Section outline

  • مذهب)برادايم( التأثير :
    من أهم ما قاد التفكير ضمن هذا المذهب هو الانشغال بالإجابة عن سؤال: ماذا تفعل وسائل الإعلام
    بجمهورها؟ هذا وإن اختلفت أو تباينت بواعث هذا الانشغال من أمنية سياسية )الدعاية والرأي العام(، تجارية
    )بحوث التسويق( ا وجتماعية )هلع وسائل الإعلام media panic العنف المتضمن فيها(. إجمالا مر التنظير في هذا
    المذهب بثلاث مراحل أو بعبارة أخرى يمكن يلخص في ثلاثة نماذج تتابعت كرونولوجيا: نموذج التأثر القوي،
    نموذج التأثير المحدود، ونموذج التأثير القوي التراكمي. تعكس هذه الأخيرة هذه الأخيرة كيف تطور التنظير للعلاقة
    بين وسائل الإعلام وجمهورها ضمن هذا المذهب في السياق الأمريكي )موطن التنظير( تبعا لتطور المجتمع ووسائل
    الإعلام ذاتها وإسهامات الحقول المعرفية المختلفة في تصور هذه العلاقة.
    أ-نموذج التأثير القوي:
    حكم هذا النموذج تصور العلاقة بين وسائل الإعلام وجمهورها منذ العشرينيات وإلى غاية بداية الأربعينيات
    تقريبا. وقد استند هذا النموذج على معطيات علم النفس القائلة باشتراك الأفراد في نفس الجينات الوراثية التي
    تجعل استجاباتهم لنفس المنبهات متطابقة، ومعطيات علم الاجتماع )فكرة المجتمع الجماهيري( التي سجلت غياب
    أي إطار اجتماعي ينتمي إليه الفرد باعتبار واقع العزلة الذي كان يعيشه الفرد الحديث عهد بمجتمع المدينة
    الصناعي الأمريكي الذي شهد هجرتين في بداية القرن )أولاهما من أوربا إلى الو.م .أ والثانية من الريف إلى
    المدينة(؛ بعبارة أخرى استند هذا النموذج لنظرية المنعكس الشرطي لبافلوف تنبيه- استجابة. يضاف إلى هذا ما
    سجل للدعاية -الممارسة على أوسع نطاق في هذه الفترة- من دور هائل في التلاعب بإدراكات ومشاعر
    الجماهير )لدرجة أنها تضعف قدرته على التمييز العقلي- اغتصاب الحشود على حد تعبير الكاتب الروسي
    تشاخوتين(، وذلك من خلال تكرار بعض الوصفات البسيطة ا ولتي تثير لدى المستمع أو المشاهد مجموعة من
    المشاعر كالخوف مثلا أو الرغبة أو الأمل.... ومع مرور الزمن فإ ن الفرد يتع ود على هذه الوصفات وما تحتويها من
    مضامين، فيصبح لا يستطيع الاستغناء عنها ويتح ول هذا إلى ر د فعل طبيعي بالنسبة إليه. ربما أهم نظرية
    عكست هذا النموذج ما عرف بالإبرة تحت الجلد أو الطلقة السحرية والتي قالت بأن لوسائل الإعلام قوة مطلقة
    تعمل على ممارسة تأثير قوي ومباشر وآني على جمهورها.
    وجب التنويه أن الدراسات التي أسست لهذا النموذج بقيت على مستوى التخمين في غياب الدراسات الإمبريقية
    التي ظهرت فيما بعد )سنوات الاربعينيات(.
    ب- نموذج التأثير المحدود:
    تبعا لتطور الأبحاث في علم النفس )وجود فوارق فردية(، وعلم الاجتماع )رفض فكرة المجتمع الجماهيري( تراكمت
    معطيات للقول بتأثير محدود لوسائل الإعلام. تعتبر دراسة كاتز و كودي و لا زارسفيلد و المعنونة اختيار الشعب
    المرجع) مصدر المعلومات التي يكتسبها الناخبون عن المرشحين حيث فاق الاتصال الشخصي وسائل الإعلام في
    هذا الصدد( لكل الافتراضات التي استخلصت حول هذا النموذج ومن ضمنه نظرية التدفق على مرحلتين.
    ترى هذه النظرية- ومن ثم النموذج- أ ن الجماعات تمارس ضغطا على أعضائها لتبني خيارات مجموع أعضاء
    الجماعة، و هو ما ظهر في الدراسة بحيث هناك تجانس كبير في العملية مما دفع الباحثين إلى القول بأ ن الانتخاب
    تجربة جماعية. و يعود إلى أ ن الأفراد يتجنبون مخالفة الجماعة التي ينتمون إليها حتى لا يدخلوا في نزاع مع أعضائها،
    و من جهة أخرى فإ ن الانتماء يسمح بتأويل الرسائل انطلاقا من المعايير الثقافية، و الأخلاقية، و السياسية
    المشتركة .
    و من هنا جاءت فكرة انتقال المعلومات على ع دة مراحل و التي تتلخص في:
    الوسيلة )إذاعة أو صحيفة (
    تنتقل المعلومات عادة من الإذاعة أو الصحيفة
    قادة الرأي نحو قادة الرأي، ثم من قادة الرأي إلى الأجزاء
    الأقل نشاطا في المجتمع )أي الجمهور(
    الجمهور
    يمكن تلخيص أهم مقولات هذا النموذج:
    - أ ن الرسائل الموجهة إلى الجمهور لا تنتقل إليه بصفة مباشرة ولكن عبر ع دة مراحل
    - أ ن الرسائل لا تسري بصفة ح رة بين الأفراد ولكن يتم تصفيتها من طرف النسيج الاجتماعي
    - رفض فكرة المجتمع الجماهيري، ا وعتبار المجتمع نسق مشكل من مجموعات اجتماعية )أولية( لها استقلالية
    نسبية، ولها تأثير على الأفكار والآراء ومشاعر الأفراد الذين ينتمون إليها.
    وعليه صير إلى القول بتأثير محدود لوسائل الإعلام على جمهورها.
    تم عزو هذا محدودية التأثير هاته لتحكم الجمهور فيما عرف بسيرورات الانتقائية. إذ وجد أن الافراد باستطاعتهم
    التعرض بشكل انتقائي للرسائل الإعلامية، كما باستطاعتهم الانتباه بشكل انتقائي لعناصر بعينها في الرسائل
    الإعلامية، كما باستطاعتهم انتقاء كيفية إدراك أو تأويل رسالة ما، وحتى باستطاعتهم انتقاء ما يتذكرون أو
    يتعلمون من وسائل الإعلام. هذا التحول في القوة من وسائل الإعلام إلى الجمهور كان نتاج بحوث الإقناع والتي
    خلصت إلى كيف تعمل العلاقات الاجتماعية والتأثيرات الشخصية للأفراد في التدفق الاتصالي للرسائل الإعلامية
    بالإضافة للسمات الشخصية للأفراد والجماعات على الحد من تأثيرات وسائل الإعلام، كما تجعل الافراد يختارون
    وسائل الإعلام التي تعكس معتقداتهم وقيمهم، أي أن وسائل الإعلام تلعب حسب هذا النموذج دور تعزيز)لا
    تغيير( آراء وقيم ومعتقدات الجمهور.
    يذكر أن هذا النموذج كان الإطار النظري المهيمن في تصور علاقة وسائل الإعلام بجمهورها منذ الأربعينيات وإلى
    غاية نهاية الستينيات.
    ج- التأثير القوي التراكمي:
    مع الانتشار الواسع للتلفزيون في المجتمع الأمريكي -والذي صيره الوسيلة المهيمنة في ستينيات القرن الماضي- بدأ
    الباحثون في التشكيك باستمرار إمكانية التعرض الانتقائي لوسائل الإعلام. ظهر نموذج جديد قائم على تقنيات
    علمية أكثر تطورا )تجارب مخبرية، مقاربات تعمد مناهج متعددة، ...( طارحا نظرة متجددة للتأثيرات القوية.
    قام تركيز هذا النموذج أساسا على الحد من إمكانية الجمهور من التعرض المحدود لوسائل الإعلام )التلفزيون
    أساسا( وذلك من خلال سيل من مستمر متسق متكرر من المواضيع والرسائل عبر المضامين الإعلامية. الفارق
    الأساس بين هذا النموذج ونموذج التأثير القوي المباشر السابق يكمن في تفسير التأثير على أنها نتاج لتعرض
    تراكمي لمضامين متسقة متشابهة بدل التعرض لبرنامج فريد. بعبارة أخرى، مع مرور الزقت يبدأ الجمهور في تبني
    تأطير )طريقة تصويرهم( وسائل الإعلام للواقع بوصفها تمثلاتهم الذاتية له.
    نظرية التثقيف: تعتبر نظرية التثقيف كمثال عن التأثيرات التراكمية. بعد طرحها من قبل جورج غربنر في 1969 ،
    مثلت نموذجا للتأثيرات القوية منذ ذاك الذي طرحته نظرية القذيفة السحرية. تنص النظرية على أنه من خلال
    المتكرر والكثير للتلفزيون، يبدأ أفراد الجمهور في رؤية العالم الواقعي مشابها لعالم التلفزي ون. تبعا لتناول الدراسات
    وتركيزها على مواضيع العنف والجريمة في كثير من المضامين التلفزيونية، خلصت إلى أن الفرد من الجمهور المتعرض
    بكثرة للتلفزيون سوف يدرك العالم على أنه أكثر عنفا مما هو عليه في الواقع. والنتيجة هي شرعنة اجتماعية للواقع
    الإعلامي. رغم رؤية نظرية التثقيف وتأكيدها أن التأثيرات هي بالأساس معرفية إدراكية)تماهي بين العالم الواقعي
    وعالم التلفزيون(وعاطفية ) الخوف، اللا أمن، العدوان(، أشير أيضا إلى وجود بعض التأثيرات السلوكية وإن كانت
    محدودة. يعزو غربنر وزملاؤه ظاهرة التثقيف إلى سيرورتين: الأولى سير ورة التعويم )حذار من الترجمة the
    والتي تحيل إلى إزالة الفوارق الجماعية تبعا للتثقيف بنفس الرسائل الإعلامية. )maistreaming والسيرورة الثانية
    وهي الصدى (resonance) ، وتصف التشابه بين بيئة الحياة الواقعية للفرد والحدث المصور إعلاميا.
    لمحاولة إثبات افتراضاته عمد غربنر وزملاؤه إلى:
    أ: تحليل امبريقي لمحتويات نسق الرسائل:
    تو صل إلى أ ن البرامج تق دم ) مثلا ( نظرة خاطئة ) fallacieuse ( للديمغرافية.
    خمسة 05 رجال مقابل امرأة واحدة
    01 رجل أسود مقابل 04 أربع رجال بيض
    02 شخصين مسنين مقابل 10 عشر شباب
    01 طبيب واحد سيء مقابل 80 طيبون
    01 شرطي واحد سيء مقابل 10
    02 ضحايا العنف رجال مقابل 08 نساء
    02 عالمين منحرفين pervers مقابل 04 لهم سلوك سوي
    وهذه المعطيات متناقضة تماما مع تقرير السكان Rapport de Population
    ب: محاولة معرفة أثر هذه النظرة المهيكلة للعالم عندما تتردّد يوميا على المشاهدين المداومين
    ( heavy viewers .)
    توصّل إلى أنّ:
    ➢ الذين يتعرضون بكثرة للتلفزيون يستجيبون لهذا العالم التلفزيوني الذي يعتبرونه حقيقيا ) réel )
    ➢ الذين يتعرضون بكثرة للتلفزيون يتصرفون في الواقع كضحايا
    ➢ الذين يتعرضون بكثرة للتلفزيون هم الذين يتخذون مواقف ردعية تجاه المهمشين ) marginaux )
    ➢ هم الأكثر مطالبة لمعاقبة المتمردين
    ➢ إن العنف في هذه البرامج لا يولد العنف، و لكن الخوف، و اللاأمن ) insécurité )
    تعرضت نظرية التثقيف للنقد عبر السنوات الماضية ولكن بسبب نصها على تأثيرات بعيدة المدى وهي من
    النوع الذي يصعب التحقق منه.
    نظرية وضع الأجندة:
    تعتبر نظرية وضع الأجندة مثالا آخر للتأثيرات التراكمية لوسائل الإعلام. طرح تصور هذه الأخيرة كل من برنارد
    كوهين، ماكسويل ماكمبس ودونالد شو، وتتناول قدرة وسائل الإعلام على توجيه الاهتمام إلى قضايا بعينها.
    صاغ كوهين جوهر تأثير وضع الأجندة حينما لاحظ أن وسائل الإعلام لا تتحكم في كيفية تفكيرنا، ولكن لها
    سلطة كبيرة في تحديد فيما نفكر. اختبرا ماكمبس وشو النظرية أول مرة في سياق حملة الانتخابات الرئاسية
    سنة 1968 ، فوجدا تشابها لافتا بين المواضيع التي تتصدر وسائل المواضيع التي تتصدر عناوين وسائل الإعلام
    وأجندة الناخبين المترددين )المواضيع الأكثر أهمية لديهم(. يقوم تأثير وضع الأجندة على افتراض أن أجندة وسائل
    الإعلام في الواقع تستبق)ومن ثم تملي( أجندة الجمهور.
    بالنظر إلة كون انتقاء الأخبار من أجل إيداعها في أجندة وسائل الإعلام يتأثر بالتأويلات السائدة للعالم
    ولأحداثه، يلزم من ذلك بالضرورة ارتباط وضع الأجندة ببحوث التأطير. وعليه، يرجح أن تسهم أجندة وسائل
    الإعلام في نفس الوقت في تشكيل إطار تأويلات الأخبار من قبل المتلقي. في تمديد معاصر للنظرية الأصلية، وهو
    المستوى الثاني لنظرية وضع الأجندة، تقترح وسائل الإعلام أيضا كيفية التفكير في القضايا. وهنا وجد نوعان
    من التأثيرات أحدهما معرفي إدراكي )يتعلق بطريقة تصور القضايا( ناتج عن وضيفة التأطير ) framing (التي تقوم
    بها وسائل الإعلام؛ والثاني عاطفي اتجاهي )تقييمي إزاء القضايا والشخصيات( ناتج عن وظيفة توجيه الاهتمام
    ( priming (إلى عناصر بعينها في قضية ما لتتخذ مرجعا في تقييم تلك القضايا أو الشخصيات. وعليه يجادل
    الباحثان في السنوات الأخيرة أن وسائل الإعلام لا لا تملي علينا فيما نفكر فقط، بل تقول لنا أيضا فيمن وكيف
    نفكر، بل وحتى ماذا نفعل حياله.
    نظرية دوامة الصمت:
    تقوم هذه النظرية على أن المعارضين لفكرة أو موقف سائدين )وهما من نتاج أو تشكيل وسائل الإعلام( سوف
    لن يجهروا بآرائهم المعرضة تلك إذا أدركوا أن آراءهم تنتمي للأقلية وذلك تجنبا أو خوفا من)عقوبة( العزلة
    الاجتماعية. هذا النمط من السلوك ربما يدفع آخرين- ربما أصحاب آراء أكثر اعتدالا- لالتزام الصمت إذا صاروا
    إلى اعتقاد أن أغلب الناس تتوافق مع ما يعتقدون أنه الراي السائد. في النهاية، وهذا تنشأ سيرورة دوامة الصمت
    والتي تدفه أراء على الظهور أكثر تبعا لجهر أصحابها بها، وآراء أخرة للانكماش والاختفاء تبعا لنزوع أصحابها
    لالتزام الصمت رغم أنهم في الواقع قد يكون عددهم جد معتبر.
    تربط نظرية دوامة الصمت لصاحبتها عالمة الاجتماع الألمانية إليزابيث نوال نيومان بين تأثيرات وسائل الإعلام
    على تشكيل الرأي العام وتغيره وكذا أنماط السلوك الديمقراطي.
    يكمن الارتباط الأساسي بوسائل الإعلام في إيلاء اهتمام متباين للأشخاص، الأحداث، الأفكار والآراء، تنمح
    وسائل الإعلام أيضا على نحو متباين مصداقية وسلطة. عدم الاعتراف لآراء ما يقود على سيرورة متسارعة من
    الانكماش والانحسار في الفضاء العمومي. النتيجة هو إجماع )في ال( ظاهر لا يعترف بالأغلبيات الصامتة.
    مذهب)برادايم( الاستخدامات والإشباعات:
    تعود أصول هذا المذهب إلى الدراسات التي أجريت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة
    الأمريكية. اتسمت هذه الدراسات بتركيز قوي على الخبرة الذاتية للجمهور )تجربة التعرض أو الاستخدام(، على
    وصف ومحاولة فهم"" استخدام الوسيلة"" من هذا المنظور. كانت القضية المحورية -على حد تعبير كاتز – في
    الحاجة إلى تركيز أقل عما تفعل وسائل الإعلام بجمهو رها مقارنة بما يفعل الجمهور بوسائل الإعلام.
    مقارنة بالتركيز الكبير السائد في ذلك الوقت على الإقناع، الدعاية، والإعلام الجماهيري، لم يحظى هذا المنظور إلا
    باهتمام ثانوي. لكنه غدا أكثر أهمية خلال الستينيات، لأسباب عديدة، أهمها عدم الرضى أو العقم الذي
    صاحب نتائج الدراسات السائدة المرتبطة ببحوث التأثير عموما والتأثيرات الإقناعية خصوصا. فنموذج التأثير
    المنبثق من تصور للاتصال الجماهيري كمسار أحادي الاتجاه غير تفاعلي محكوم بدوافع المصدر أو المرسل مع
    إمكانية كبيرة لنقل مباشر للمعلومة أو الرأي للمتلقي )تبعا لمنطق التنبيه- استجابة( حتى حالة التضاد مع
    اهتمامات المتلقي. تبني هكذا نموذج فشل في العثور على أدلة على تأثيرات مهمة لوسائل الإعلام )رغم استمرار
    افتراض قوتها( أو تفسير نماذج سلوك استخدام وسائل الإعلام. تقابل هكذا جاذبية جماهيرية لوسائل الإعلام مع
    فقر الأدلة على تأثيرها، أوجد مفارقة تستدعي بحثا ممنهجا وتحديدا عناية خاصة بالعوامل التي تقف وراء استخدام
    وسائل الإعلام.
    بموازاة ذلك، بدت مقاربة الاستخدامات والإشباعات الناشئة بمثابة عرض لطريقة تفسير لجاذبية وسائل الإعلام
    )إجابة عن السؤال" لماذا تستعمل وسائل الإعلام؟"( كما توفر إجابة على تأثيرات محتملة.
    المبادئ الأساسية التي يقوم عليها هذه المقاربة يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
    ( 1( يتطلب استخدام وسائل الإعلام )الاهتمام من قبل الجمهور( دافعا شخصيا؛ ) 2( الدوافع هي في الأساس
    عقلانية، إذ تقوم على الحاجات والمصالح المدركة، وليدة الخلفية الاجتماعية؛ ) 3( يستطيع الجمهور )كأفراد( أن
    يصفوا دوافعهم )أسباب سلوك الاستخدام(؛ ) 4 ( تقدم الدوافع المعبر عنها تفسيرا لاختيار واستخدام وسائل
    الإعلام؛ و) 5( تقود أنواع ومستويات مختلفة من الد وافع إلى احتمالات تأثير متباينة )حسب الوسيلة وطبيعة
    المحتوى( ومستويات متفاوتة من الرضى )أو الإشباع( عن التجربة.
    ويتضح من هذا أن الفرد فاعل ) Actif ( بامكانه القيام بخيارات ترتبط بالرغبات المرجوة، و أن هذا الخيار ليس
    مجرد آلية دفاع ضد قوة وسائل الاتصال الجماهيرية فقط ، و لكنها عملية انتقاء ) Sélection Prospective ( مرتبطة بالاحتياجات و التطلعات . ومنه، فإن وسائل الاتصال الجماهيرية تظهر بأنها وسائل
    خدمة عمومية ينتقي الجمهور منها حاجياته.
    أما فيما يتعلق بالجمهور أو المستخدمين ) Usagers ( فان هذا الاتجاه يفترض إن الأفراد الذين يتعرضون
    لهذه الوسائل ينتظرون أو يتوقعون شيئا ما أو خدمة ما، أو إشباع رغبة ما، و التي تتنوع حسب السمة )
    Profile ( النفسية، الاجتماعية ، الثقافية للفرد .
    و من هنا فان عملية استهلاك وسائل الاتصال الجماهيرية عملية تامة ) منتهية egg Finalise ( و هي ترتبط
    بخيار ، و الفرد في هذه الحالة يتعرض من أجل / أو في انتظار / أو بصدد / لأنه يجد دائما ما يبحث عنه .
    L’individu s’expose en vue de / dans l’attente de / pour
    إن نقطة انطلاق الاستخدامات وإشباع الرغبات هو الفرد المستقل في تفاعله مع وسائل الاتصال
    الجماهيرية، والتساؤل الأساسي الذي يطرح هو.
    _ لماذا وكيف نستخدم أو نستهلك وسائل الاتصال الجماهيرية.
    _ نستخدم هذه الأخيرة لأنها توفر لنا بدائل وظيفية للتفاعل الإنساني.
    • ما هو البديل الوظيفي :
    بالنسبة لاتجاه الاستخدامات و إشباع الرغبات نستعمل وسائل الاتصال الجماهيرية كمصدر
    للمعلومات و الترفيه، و لكن أيضا للإجابة على حالات ذاتية كالحزن، و الوحدة ... إن الأفراد يفترض فيهم أنهم
    لا يلبون احتياجاتهم ) Insatisfaite ( في عالم الحياة اليومية ، و هم أيضا تابعين ) Aliénées ( ، و لهذا
    يحاولون إيجاد ما يسد هذه الحاجات في هذا العالم العجيب لوسائل الاتصال الجماهيرية ) خاصة التلفزيون ( . )
    Katz & Foulkes 1962 , 308 )
    _ وهذا يعني أن وسائل الاتصال الجماهيرية تابعة بطريقتين:
    الأولى: رغبة المستهلك الذي يستطيع في كل لحظة أن يرفض ويقاوم...
    الثانية: طبيعة ) Qualité ( الحياة العامة للمستهلكين.
    مذهب)برادايم( التلقي: في الحقيقة، أدرك باحثون وسائل الإعلام منذ أمد بعيد أهمية السياق، ما يجعل
    مجموعات بعينها من الجمهور إذا لأسباب مختلفة، تؤول المضامين الإعلامية على نحو مختلف، وتعمد إلى
    استخدامات مختلفة لها. يدلل على هذا دراسة مشهورة، رغم كونها في الأصل تساق في معرض التدليل على قوة
    وسائل الإعلام.
    في 30 أكتوبر 1938 ، تملك الرعب مليون أمريكي لدى اعتقادهم أن استيلاء مخلوقات من المريخ على
    نيوجرزي، من خلال برنامج إذاعي معنون ب'' حرب العوالم''. يرجع هذا جزئيا لكونهم لم يستمعوا لافتتاح
    البرنامج في البداية- أي أنه كان مجرد دراما- فحملوه على أنه خبر عاجل. وعليه قاموا بحزم حقائبهم، وتدفقوا
    على الكنائس، أو سارعوا بالهروب. غير أن الخمس ملايين الباقون من سكان المدينة لم يصبهم الهلع، وذلك
    لكونهم مارسوا تأويلات مختلفة عما سمعوه. فبعضهم قام ببعض التحقق الداخلي سائلا نفسه كيف يعقل لسكان
    المريخ أن يستولوا علة المدينة بهذه السرعة والبساطة، في حيز زمني لا يتجاوز زمن البرنامج ) 45 د(، والبعض
    الآخرىقام ببعض التحقق الخارجي ناظرا عبر النافذة إن كانت الطرقات والشوارع مزدحمة، أو متحولا إلى القنوات
    الإذاعية الأخرى ليتأكد إن كانت تبث نفس الخبر. أكثر من هذا، بعض المجموعات، الأكثر تعليما مثلا، أو
    الأقل تدينا، كانوا أقل تأثرا من الآخرين. الشاهد أنه ما سيق في العادة على أنه دليل تأثير قوة هائلة لوسائل
    الإعلام يوفر أدلة على تأثيرات محدودة لهذه الأخيرة، ترتبط إجمالا بعوامل أساسية مثل الانتقاء، التأويل، والسياق
    الاجتماعي للجمهور. وعليه لدى الوقوف على صعوبة إثبات أدلة تأثير قوي مباشر لوسائل الإعلام، بمقابل أدلة
    على تأثيرات غير مباشرة محتملة، برزت الحاجة لمقاربة جديدة. بدل افتراض أن كل أفراد الجمهور يتأثرون بنفس
    الرسائل وبنفس الطريقة نحتاج إلى مقاربة تفترض أن:
    - الجماهير متعددة، متنوعة، ومتغيرة.
    - معاني النصوص الإعلامية هي مسألة تأويل.
    - نتائج التعرض لوسائل الإعلام أو استخدامها ترتبط بالسياق الاجتماعي.
    تركز بحوث التلقي على الطرق التي من خلالها يفهم الجمهور )أو بالأحرى يبني فهمه ل( المعاني الإعلامية. وعليه
    فهي بهذا تحيد عن التصور الميكانيكي التي يرى أن الرسائل الإعلامية تنتقل ببساطة للجمهور الذي لا يطرح فهمه
    لها أي إشكالية )نموذج التأثير(، وتؤكد هذه البحوث على وجوب أن تخضع معالجة الجمهور للمعاني الإعلامية
    للبحث الإمبريقي.
    بشكل خاص، حاولت بحوث التلقي في سنواتها الأولى إثبات أن الجماهير نشيطة سيميائيا لدى تفاعلها مع المعاني
    الإعلامية، على نحو مقابل بل مضاد للرأي الشائع من كون الاستهلاك الإعلامي-وبشكل خاص مشاهدة
    التلفزيون- عملية سلبية، بل تقريبا وضعية تنويم. ربما يعود الفضل في التحول الأساسي في تصور الجمهور لدى نظرية
    التلقي إلى باحث الدراسات الثقافية البريطاني ستيوارت هال ونظريته الشهيرة القائمة حول التكامل في صناعة المعنى
    بين تلاقي سيرورتين: الترميز-فك الترميز) encoding-decoding ( بدل مجرد فاعلين مرسل ومستقبل، يحدثان – أي
    السيرورتان- في لحظتين مختلفتين، وهنا يبرز مفهوم عدم وجود اتساق طبيعي بين هاتين اللحظتين. تبنى هال نظرة
    سيميائية للمضامين الإعلامية حيث مجال المعاني يرتبط بشكل كبير بطبيعة اللغة المستخدمة وكذلك بالدلالة التي
    ننسبها للإشارات والرموز في ثقافة ما قد لا تك ون نفسها بين المرسل)المرمز( والمستقبل )فاك الترميز(. بل إن ثقافتي
    المرسل والمستقبل إجمالا قد تختلفان بشكل متفاوت بالنظر لعوامل عديدة منها الموقع، الانتماء)الطبقة الاجتماعية
    مثلا...(. وعليه، رغم إقرار هال وتأكيده على قوة وسلطة النص المرمز، إلا أنه قال بإمكانية مقاومة الجمهور لهذه
    السلطة. بعبارة أخرى، لأفراد الجمهور حرية نسبية لتأويل المعاني المشفرة أو المرمزة المعروضة عليهم في النصوص
    الإعلامية، والتي اعتبرت تبعا لذلك حمالة لمعاني محتملة عديدة) polysemous .)
    خصائص الحياة الاجتماعية)السياق(، والتي كان منظورا لها كمجرد عوارض- أو مصادر تشويش للعملية الاتصالية
    – أصبحت محل بحث ومركز التحليل. لم تعد الرسائل الإعلامية تعالج كمنبهات- حزمة من المضامين ذات المعاني
    الجامدة والبديهية- بل كنصوص معانيها متعددة، قابلة للتفاوض، والتأويل...كما يشرح السيميائي الإيطالي إمبرتو
    إيكو: ''وجود شفرات) codes ( وشفرات جزئية كثيرة ومتنوعة، تنوع الظروف الاجتماعية الثقافية)السياق( التي ينتج
    ويوزع ويستقبل فيها النص الإعلامي )مع احتمال تباين شيفرات codes المرسل والمستقبل( تفضي إلى جعل النص
    شكلا فارغا يمكن أن ينسب إليه معاني مختلفة''. هذا لا يمنح الجمهور قوة تأويل لا نهائية، إذ يعود كل من إيكو
    وهال للتأكيد على هيمنة الصناعة الإعلامية القوية على سيرورة الترميز، يضاف لها يباق اجتماعي ومادي معياري
    يحد بشدة من هوامش سيرورة التأويل للجمهور.
    من بين المفاهيم الملهمة التي اقترحها هال برز مفهوم المعنى المفضل للنص، أو القراءة المفضلة له، والطرق الثلاثة
    التي يمكن أن تسلكها الجماهير في تعاطيها مع هذا المعنى المفضل. اقترح هال أنه ضمن تعددية المعاني التي تتسم
    بها النصوص )المضامين الإعلامية(، يحتل أحد المعاني موقعا امتيازيا. فباعتبار تبعية وسائل الإعلام الراسخة للنظام
    الرأسمالي فهي بالتالي منطقيا ستخدم المصالح المهيمنة للطبقات الحاكمة، وعليه سيكون المعنى المفضل ذاك الذي
    يتوافق مع تلك المصلحة الإيديولوجية.
    مستصحبا منطق النظرية الثقافية الماركسية هذا، يذهب هال إلى أن الجماهير المنتمية إلى طبقات متعددة يمكن أن
    تتعاطى وتفعل المعنى المفضل المشفر) the encoded preferred meaning ( انطلاقا من واحدة من ثلاثة مواقع
    لفك تشفيره ) three decoding positions (. فيمكنها أن تمارس قراءة مهيمنة حيث تتوافق أو تتبنى المعنى
    المفضل) مثلا، تؤيد مضمون خبر تحث فيه الحكومة العمال على القبول بخفض الرواتب لمصلحة الوطن(؛ بمقابل
    ذلك، يمكنها أن تمارس قراءة معارضة، حيث تشكك في- ومن ثم ترفض- التداعيات الإيديولوجية للمعنى
    المفضل)مثلا، رفض إجراء الحكومة الوارد في الخبر (؛ أو يمكنها أن تسلك الخيار الثالث بممارسة قراءة تفاوضية،
    والتي تقع بين الطرفين السابقين)مثلا، القب ول إجمالا بمضمون الخبر الداعي لخفض الرواتب لكن يرى في نفس
    الوقت أسبابا وجيهة لتفاديه بالنسبة لبعض الشرائح الاجتماعية(.
    بالإضافة إلى بروز أهمية السياق ضمن العوامل المحددة لعملية التأويل والمشاركة في بناء المعنى من قبل الجمهور،
    يذكر كذلك عوامل من قبيل وضعية التعرض )منفردا/ في جماعة، في البيت أو في السينما أو...(، العوامل
    الديمغرافية السن، الجنس، الإثنية، الطبقة، الثقافة ....
    كل هذه العوامل كانت محل دراسات إمبريقية عديدة داخل مذهب التلقي، ربما من أشهرها دراسة ليبز وكاتز عن
    المعاني المكونة لدى التعرض لمسلسل الأمريكي دالاس والذي أخذ شهرة كبيرة عبر العالم في ثمانينيات القرن الماضي
    ونظر إليه كحامل ومروج للإمبريالية الأمريكية، والقيم الاستهلاكية والمسيحية )منظور التأثير(. شملت الدراسة
    ثلاث مجموعات من خلفيات ثقافية واجتماعية مختلفة من يهود الكيان الإسرائيلي: الروس أ الأمريكان والعرب.
    جرى تحليل لمضمون المسلسل فوجد أنه يدور إجمالا على مواضيع أساسية: العرق، الملكية، الميراث، تنافس
    الأقارب، الجنس والزواج. الدراسة الإمبريقية للجماهير الثلاثة أظهرت أنها مارست تأويلات متباينة لنفس النص.
    فمثلا كان الروس أكثر نزوعا لقراءات إيديولوجية كرد فعل على المواضيع الأخلاقية والسياسية الكامنة في القصة.
    ركز الأمريكيون أكثر على الشخصيات والدوافع التي تحكم سلوكهم لإضفاء الاتساق على قراءاتهم. بينما ركز
    المغاربة على تسلسل الأحداث وطريقة تطورها باستمرار.
    بالرغم من كون القراءات الثلاثة كانت محكومة بالنص، غير أنها في نفس الوقت انخرطت في الانفتاح الذي اتسم
    به النص )قابليته لتعددية في المعاني( متوسلة بمواردها الثقافية المختلفة وهو ما أنتج قراءات متباينة لنفس البرنامج.
    الأكثر إشكالا في هكذا نتيجة هو كيفية تنظير الموا رد الثقافية: إذ مجموعات ليبز وكاتز تختلف من جهة الجنسية،
    الدين، الطبقة، الإثنية، الثقافة... وليس واضحا أي من هذه العوامل تحديدا هو الذي فعل وأحدث الفارق من
    أجل القيام بقراءة ما أي طريقة تأويل مجموعة ما لنفس النص.