المحاضرة الخامسة
Section outline
-
المحاضرة الخامسة : القيم الخبرية و العوامل التي تتحكم في إنتقاء الأخبار
- العوامل التي تتحكم في انتقاء وتحرير الاخبار
أ- عوامل متعلقة بطبيعة الخبر نفسه (القيم الإخبارية ،وصفات الخبر ): تأتي عملية إنتقاء ونشر الأخبار طبقا لمعايير ، يطلق عليها القيم الإخبارية ويتم إستخدام هذه القيم أو المعايير للحكم على صلاحية الأخبار للنشر بواسطة حراس البوابات ،كما يتم إستخدامها في الحكم على صلاحية تفاصيل معينة في الخبر للنشر.[2]
ب - عوامل تتعلق بالإعتبارات المهنية و الذاتية التي تعمل في ظلها الوسيلة الإعلامية : إذا ما تم الإنتقال إلى المستوى التنظيمي ، فإننا نصل إلى مصفيات أرفع وأكثر رهافة ويتعين الإقرار بأن بنية أو هيكل تنظيم التلفزيون يؤثر تأثيرا هائلا على عرض الأخبار المتلفزة .[3]
تمر عملية صناعة الأخبار وفق الباحث عبد الستار جواد بثلاث مراحل [4]تتمثل في جمع وصياغة وتوزيع الأخبار ويستثمر في ذلك ،نتائج البحوث العملية في مجال الإقناع و التأثير ،فيوظف الأساليب الفنية في صياغة الرسالة لتحقيق التأثير المراد منه على المتلقين .
عند دراسة الأخبار هناك ثلاث مفاهيم مرتبطة ببعضهما البعض وهي حراس البوابة ،ترتيب الأولويات والقيم الإخبارية حيث يتأثر كل من العاملين الأول و الثاني بالعامل الثالث.[5] وسنأتي إلى ذلك بالتفصيل في باقي مباحث الدراسة .
1- جمع الأخبار :تبدأ بعملية جمع المعلومات والمعطيات الخاصة بالموضوع المراد إعداده .
2-صياغة الأخبار :حيث تمر هذه المعلومات ، بوحدات إنتقاء وتكرار وإختبارات عديدة إلى غاية وصوله إلى شكله النهائي ،يتبع في ذلك كل التقنيات الحديثة والأساليب الفنية في مجال التحرير الصحفي من حيث المضمون وسبل ترقية والإهتمام بشكل المادة الإعلامية المعروضة ، خصوصا على مستوى وسائل الإعلام الثقيلة أين يتميز التلفزيون بجاذبية أكبر .
3-توزيع الأخبار :بعد الإنتهاء من صياغة الخبر وفق الشروط المطلوبة، تقوم المؤسسة الاعلامية بعملية توزيع او بث الخبر .
دور القيم الخبرية في تحديد مسار الخبر :
تعرف القيم الإخبارية على أنها خصائص أو صفات أو عناصر أو مقاييس أو مبادئ أو أسس أو معايير أو مفاهيم أو سمات تحدد موقع الخبر في المؤسسة الإعلامية ومكانته في نشرات الأخبار.[6]
فمجال التوظيف ، يعود حسب طبيعة ملكية كل مؤسسة إعلامية وإنتماءتها الإيديولوجية وأجندتها وأولوياتها المطروحة ،فهي ليست مدونة مكتوبة ، بقدر ما يكتسبها الصحفيون في سياق نشاطهم وممارستهم اليومية وتوجيهات الدائمة و المستمرة لأعضاء هيئة التحرير.
تنظر الوسيلة الإعلامية أو القائم بالإتصال على أن القيم الإخبارية .
1- ينظر إلى القيم الإخبارية ، على أنها معايير أفضلية بين خبر وأخر و هي العناصر التي إذا توفرت بخبر ما ،زادت من فرصته في النشر أو البث .[7]وقد تتوفر أكثر من قيمة في خبر واحد يمكن إختيار القيمة الأكثر ظهورا.
2- القيم الإخبارية هي التي تحدد أولويات المؤسسات الإعلامية ، إبراز لهذا الخبر أو ذاك وهي السمات التي يفترض بها أن توفر أكبر عدد ممكن من العناصر التي تؤهل الخبر للتنافس في تقديمه ،ويعد توفر عدد من القيم الإخبارية في قصة خبرية واحدة عامل أفضلية، يزيد من فرص تقديمها في معظم الأحيان مع أن توفر قيمة واحدة في القصة الخبرية ، يعد كافيا لإختيارها في أحيان أخرى .[8]بموجب ذلك يمارس المحترفون في وسائل الإتصال أحكامهم التقويمية وتفضيلاتهم لشئ على شئ ،مما يوجه عملية جمع الأخبار وإنتقاءها وتقديمها .[9]
3- القيم الخبرية متشابهة ، مرتبط مجال توظيفها بالتطورات المختلفة في الجانب المهني الإعلامي وما يشهده الإتصال من تطورات تكنولوجية سريعة من جهة والتطورات المتعددة التي تشهدها الحياة البشرية من جهة ثانية.[10] فضلا عن البيئة المحيطة بالوسيلة الإعلامية وبإهتمامات الجمهور دون أن نهمل موقف القائم بالإعلام الذي يتصرف في هذه القيم بأن يقدم واحدة عن أخرى بالإضافة إلى النظام الذي تعمل في إطاره الوسيلة أو الإيديولوجية و السياسة العامة التي تتبناها .[11] المؤسسة الإعلامية دون إهمال الظروف النفسية و الإجتماعية التي تحيط بالصحفي وغيرها من نقاط تقاطع التي تسهم في ترجيح قيمة إخبارية عن أخرى .
4-يتم إستخدام هذه المعايير من قبل حراس البوابات،كما يتم إستخدامها في الحكم على صلاحية تفاصيل معينة في الخبر للنشر .[12]
5- القيم الإخبارية متغيرة ومتجددة ، لإرتباطها بالتطورات المختلفة في الجانب المهني الإعلامي وما يشهده الإتصال من تطورات تكنولوجية سريعة من جهة ،وهو ما يفسر بروز بعض القيم الإخبارية من دون غيرها من تسلسل أولويات القائمين بالعملية الإتصالية بين حين وأخر وكذلك إختفاء بعض القيم وظهور أخرى جديدة .[13]
يرجع الفضل في وضع وتحديد القيم الخبرية للباحثان (ريج وقلتينغ )1965 بوضع 12 قيمة[14]،للفت الإنتباه للحدث جدير بالمتابعة .من بينها ( التواتر ،الإستهلالية ،عدم الغموض ،الفحوى المعنوية ،النخبوية و السلبية[15]،) وقد أهملت بعض الصفات وأبقيت على أخرى ، كما سيأتي لاحقا حسب طبيعة كل مؤسسة إعلامية وخلفياتها وإتجاهاتها الإيديولوجية والمصلحية ، وكما يرى البعض أن هذه القيم قد تم وضعها لتؤدي أهداف تجارية ربحية بالتوازي مع أهدافها السياسية و الثقافية .[16]
يشير( الآن) في حديثه عما أسماه "شيفرى الجدوى الخبرية " إلى أن وسائل الإعلام الإخبارية ، تأخذ بعين الإعتبار عدة عوامل عند تقدير جدوى القصة الخبرية ،من أهمها الطابع الصراعي في الخبر ،التوقيت ،قابلية الشخصنة ،عنصر المفاجأة ،الإستمرارية والتركيبة ، الطابع النخبوي ،وهذه الإفتعالية في صنع الأخبار تغدو بمرور الوقت، طبيعية عبر التكرار ونمط الخطاب المستخدم بشكل يومي .[17] لدرجة أضحت قيم مألوفة ومقبولة لدى المتلقي للرسالة الإعلامية .
يمكن التنبيه قبل سرد قائمة القيم الخبرية بناءا ماجاءت به البحوث و الدراسة ، أن عديد القيم غير ملائمة أو مناسبة في بعض البلدان التي تتميز بتقاليد وعادات خاصة ، كما أن بعضها يعبر عن ثقافة وعقلية المجتمعات الغربية التي نشأت فيها ،فيما تتداخل بعض القيم الإخبارية مع بعضها البعض .
يقسم البعض القيم الإخبارية إلى فيئتين هما [18]:
أ-القيم الإخبارية الأساسية:وهي القيم التي تتوفر في الخبر ولا يكون الحدث خبرا بدونها ومنها الجدة ،الحالية ،و الأهمية . وهي في الغالب تحكم فن الخبر زمنيا وتدعى القيم الزمنية ، إنطلاقا من هذه القيم يتم إنتقاء الخبر ومدى صلاحيته، بل أكثر من ذلك فإن هذه المعايير تتحكم في التفاصيل الدقيقة للخبر والمعلومة بوجه عام.[19]
1-قيمة الحالية أو التواقتية :
إن كلمة ( NEWS ) آتية من أصل الكلمة ( NEW) في اللغة الإنجليزية وتعني الجديد حيث أن عنصر الزمن ،هو جانب من جوانب التي يوزن بها الخبر حيث أن الخبر أسرع مادة معرضة للتلف و الفساد بمجرد مرور ساعات قليلة على وقوعه [20].
وفق القاعدة المعمول بها ما يعد خبرا اليوم لا يكون خبرا غدا"[21] وينتظر الجمهور دائما الحديث عن الأخبار المحلية و العالمية ،حتى أن كلمة" نيوز " بالإنجليزية معناه الجديد.[22] وعلى هذا الأساس ، ترفع الكثير من المؤسسات الإعلامية وعلى الخصوص الفضائيات بعض الشعارات على سبيل المثال لا الحصر (كن أول من يعلم ) ،(تصلك الأخبار حيث ما كنت ) (الأخبار أول بأول )، ( جديد الأخبار ) وغيرها من الشعارات التي ترمي إلى بلوغ السبق الإخباري ،حيث تعطى لها الأولوية القصوى عند عرضها .
ترتبط هذه القيمة الإخبارية بمدى السرعة في نقل الأحداث على المباشر وهي تتشكل وتتكون وتكتسب هذه القيمة أهمية كبيرة ، حين نقارنها بالأزمنة التلفزيونية المركبة من عدة مستويات ،وتقترب هذه القيمة من الزمن الحقيقي الذي يؤدي إلى الإقتراب من زمن الصورة وزمن الحديث أو السرد التواقيتي ويصبح هنا زمن التلفزيوني هو الزمن المشاهد .[23]
تترجم هذه القيمة حقيقة المزايا التي باتت توفرها التكنولوجيا من بينها الأقمار الصناعية في إيصال مجريات الأحداث وقت وقوعها وحدوثها ، مالم يكن متاح في السابق لتلفزيون والأمثلة كثيرة ومتعددة من بينها نقل وتغطية مباشرة لعدة أحداث من بينها الحروب و النزاعات المسلحة في الوطن العربي في العراق ،ليبيا ،سوريا ،اليمن ،مصرع معمر القذافي ،إزدحام الذي وقع بمشعر منى ..وغيرها من الأحداث الدامية والقضايا العالقة ، مما أعطى دفعاً قوياً لمسألة آنية الأخبار وجِدّتها.
لكن أمام تعدد حوامل نقل الإعلام يرى الباحث( نصرالدين العياضي) السرعة غاية في حدّ ذاتها وليست وسيلة، فالجمهور يشعر وكأن وسائل الإعلام تسعى لتجاوز ماهي بصدد الحدوث لمعرفة مآله ونقل هذا المآل قبل بقية وسائل الإعلام .[24]
تصبح وفق هذه القيمة كما يرى ( فورست سيرس) تصبح المعلومة ، أقل قيمة لو عرفها الجمهور غدا بدل اليوم[25] وأن كانت بعض الأخبار قد تعود للسطح وتأخذ أهميتها الخبرية في وقت لاحق ، فعلى سبيل المثال لازالت بعض الإكتشافات عن الحرب العالمية الثانية و أسرار الفاعلين تطفو إلى السطح . و الحالية لاتعني فقط جدة الموضوع أو حداثته بل تتعداه إلى جدة التناول و المعالجة فقد تبدو للإنسان العادي بعض الموضوعات قديمة ،ولكن القائم بالإعلام بإمكانه أن يمنحها فرصة أخرى لكي تطفو على سطح الأحداث وتصبح محل متابعة من قبل المهتمين ومن قبل الجمهور في الوقت ذاته .[26]مثل ماهو الشأن لمقابر الجماعية المكتشفة في البوسنة و الهرسك ستجعل من الواقعة موضوعا جديدا .
تحتل الفورية القيمة الأولى ضمن منظومة القيم الخبرية في زمن أضحى فيه الخبر يموت بمجرد حدوثه ، نظرا لسرعة تداوله ونقله عبر مختلف الدعائم الإعلامية على حساب الدقة وتحديد المصدر وربط الخبر بمصادر غير واضحة، بعبارات متعددة مثل "مصادر مؤكدة ،متطابقة ،نقلا عن شهود عيان ،وغيرها من الألفاظ المتداولة إعلاميا فرضه عامل الفورية و السرعة للإنسلاخ من الدقة والوقوع في مصيدة بريق السبق الصحفي .
يرى( فرنسيس بال ) أن الاهتمام بها من قبل وسائل الاعلام تعرض لأكبر المخاطر ويمارس على ما يتلقاه تأثير الإنصعاق بالمعنى الطبي للعبارة .[27] وبرغم ذلك تظل اللحظية أو الفورية؛ أي تسجيل الأحداث والتعليق عليها فور وقوعها من أهم مبادئ الصحافة الأمريكية وأكثرها تبجيلاً.
2-قيمة الجدة :
وهي من القيم المرتبطة بالزمن و الآنية ، التي تحتل أهمية قصوى من قبل وسائل الإعلام والتي تمثل جوهر الإثارة لأن كل جديد وحديث من شأنه لفت غريزة الإطلاع و المتابعة، ويتزايد أهمية هذه القيمة وقت حدوث الأزمات وترتبط هذه القيمة مع قيمة أخرى تتعلق بسرعة نقل الخبر وسط منافسة شديدة من قبل وسائل الإعلام التي تمتلك تكنولوجيات إعلام حديثة فأي تأخر من شأنه إضعاف مفعول الخبر لدى المتلقي الذي يكون قد إستقاه من وسيلة إعلامية أخرى .
يجب في ذات السياق أن تبدأ النشرة الاخبارية ، بخبر له قيمة إخبارية مرتفعة للغاية ،والعنصر الأهم في هذه الحالة هو مدى حداثة أو جدة الخبر ، حيث يحظى الخبر الجديد الذي يتعلق بأحداث تقع لأول مرة أو قد لا تحدث إلا مرة واحدة فقط أو على فترات متباعدة –مثل حادث كسوف الشمس – تكون أكثر أهمية من باقي الأخبار.[28] وأهم قيمة ترتبط بالجدة أو الحالية هي قيمة السرعة بالتقاط الأخبار ونشرها،والتي تمكن من تحقيق السبق الصحفي واستقطاب مزيد من الجمهور .
3-قيمة الأهمية :
تعد هذه القيمة أحد أهم المعايير في عرض الأخبار ، لكون الخبر عبارة عن سلعة لابد أن يجلب العرض زبائن لإقتناءها ،فالحدث يزن بمدى أهميته وقبوله من طرف الجمهور ، وتتولد الأهمية من إتحاد عدة قيم منها الفائدة و الصراع و المصلحة ومن إتحاد قيم التشويق مع قيمة الشخصية (الشهرة ) أو الشهرة والصراع و الضخامة وغيرها من القيم.[29]
قد لا يكون الخبر في حد ذاته هاما لكن نتائج المترتبة عليه هي الأكثر أهمية ، حيث إن خبر عن ظهور فيروسات الكمبيوتر قد يكون خبرا عاديا لكن تأثير ذلك الخبر قد يكون ضخما على قطاع المال و البنوك وذلك هو الخبر الأكثر أهمية [30] .
ب -القيم الإخبارية التفضيلية :وهي القيم التي يعني توافرها في خبر ما ، لزيادة نسبة ترجيحه او إذاعته ،فهي معايير يتم على أساسها ، تفضيل خبر على أخر و الحكم بصلاحيته للنشر أو الإذاعة ومنها القرب ،الضخامة ،الغرابة ،الشهرة و الصراع ويصطلح على تسميتها بالقيم المهنية التي تخص الخبر في جانبه الحرفي .
1-قيمة القرب :
يقصد بالقرب هي المسافة الفاصلة بين الجمهور وطبيعة الموضوعات أو القضايا المطروحة عبر وسائل الإعلام ومدى إرتباط الجمهور بذلك جغرافيا ونفسيا أو عاطفيا ، لأن طبيعة النفس البشرية تنجذب إلى الأخبار القريبة التي تعد محور إهتمامهم والعكس يكون صحيحا بالنسبة للأخبار التي تحدث في أماكن بعيدة .
تسعى وسائل الإعلام ، لأخذ بعين الإعتبار قيمة القرب، بل تعطيها الأولوية من حيث التغطية ومعالجتها ، يمكن تشبيه ذلك بمدى إهتمام شخص ببيته ومايجري في قريته فكل صغيرة أو كبيرة تعنييه عكس المواقع الأخرى المنتشرة عبر أرجاء المدينة ، فكلما إتسع المجال تقلص الإهتمام ونفس الأمر ينطبق على باقي وسائل الإعلام .
إن الناس يهتمون بما يجري على مقربة منهم أكثر مما يجري بعيداً عنهم ويؤثر في غيرهم.[31]لأن الجمهور يعنيه ما يدور وما يحدث في بيئته ، قبل غيرها فهم يريدون وقبل كل شئ معرفة ماذا يحدث في مجتمعهم المحلي [32] وقد يكون القرب مكانيا آو زمنيا أو سيكولوجيا .
بناءا على ذلك تكثف وتركز وسائل الإعلام في تغطيتها الإعلامية على المناطق القريبة جغرافيا من حيث حجم التغطية و الإهتمام بتفاصيل الخبر لساعات طويلة ،فالمتتبع للأخبار بالفضائيات العربية ،يلاحظ على سبيل المثال ،إهتمام متزايد بالأخبار الجارية في العراق ،وفلسطين واليمن ،وعديد المناطق التي تشهد بؤر من الصراع ، لأنها لها إمتداد جغرافي وتحظى بميل عاطفي وعليه تحرص هذه الأخيرة على إعطاءها مساحة زمنية أكبر وتتصدر طليعة النشرات الإخبارية ،حيث يوظف في بناء النشرة القرب المكاني والنفسي و الزماني .
2- الضخامة أو الحجم :
ترتبط هذه القيمة بحجم الجمهور المستهدف وقياس مدى متابعتهم وإهتمامهم لمضمون الخبر وليس معناه التهويل ،ويمكن لتكنولوجيات القياس الحديثة المثبتة على أجهزة التلفزيون، تحديد كتلة الجمهور ،وتزيد مساحة المتابعة وتأثير كلما كان الخبر يحمل في طياته معاني الحزن و الألم بصرف النظر عن موقع حدوثها .
فعلى سبيل المثال حقق نشر وبث حادثة غرق الطفل الكردي( "الان )الذي فشل في عبور الضفة في متابعة وتعاطف ملايين الناس بإختلاف أعراقهم وجنسياتهم ،حيث ساهم هذا التعاطف في تدخل بعض الشخصيات السياسية في أوروبا من أجل التكفل بالاجئيين السوريين .
إن الأحداث الضخمة ، هي الأحداث الكبيرة التي يتأثر بها أكبر عدد ممكن من الناس أي أن ضخامة الحدث تستمد هذه الصفة من حيث اهتمام الناس بها بصرف النظر عن موقع حدوثها سواء كان داخليا أو خارجيا .[33] وكلما زاد حجم الشخصيات أو حجم الأرقام اكتسب الخبر قيمة إخبارية في المجتمعات الغربية مثل عدد الجرحى و القتلى وقيمة الخسائر وعدد الأهداف في المباراة وقيمة الأرباح ،فالحجم من المعايير الأساسية التي تتحكم في إذاعة أو عدم إذاعة الأخبار . [34]
3-قيمة الغرابة :
تعني قيمة الغرابة ، الخروج عن المألوف ورصد الوقائع والأحداث نادرة الوقوع مثيرة للإهتمام و التساؤل من شأنها إستقطاب عدد من المتابعيين ،ويجد هذا النوع طريقه بسرعة لوسائل الإعلام نشره أو إذاعته أو بثه على الهواء ، وتحرص نشرات الأخبار على بث أخبار الغرابة و الطرافة للتخفيف من الطابع الجدي للأخبار السياسية و الإقتصادية وتسلية المتلقي و الترفيه عنه ولشد إنتباهه[35].
يرى بعض الباحثين أن قيمة الغرابة تقترب نوع ما من قيمة الإثارة ، لكونه يجعل المتلقي في حالة ترقب لإكتساب المزيد من التفاصيل ،وتعد أخبار التي تتميز بالغرابة ، عبارة عن فاكهة خصوصا لنشرات الأخبار تحمل عنوان رئيسي في بعض الأحيان ويترك التفاصيل في الأخير من أجل شد إنتباه المشاهدين .
يعطي الأستاذ ( محمد حسنين هيكل ) مثال يجمع فيه عدة عناصر في كتابه الموسوم كلام في السياسة ،إنطلاقا من إحدى الدورات التكوينية التي أجراه في جامعة كولومبيا ، أن الأستاذ المحاضر توصل إلى صيغة الخبر المثالي الذي يضم خاصية الغرابة في الخبر على النحو الآتى " أن الملكة صاحت يا إلهي إن الأميرة حامل.. فمن الذي فعلها!!) ثم مضى في الشرح فقال: حين بدأ الخبر بذكر الملكة فإنه إستدعى شيئاً من الملكية، وحين نادت يا إلهي فإنه إستدعى شيئاً من الدين، وحين قرر على لسان الملكة أن إبنتها حامل فإن ذلك إستدعى شيئاً من الجنس وأخيرًا فإنه حين تساءلت من فعلها إستدعى شيئاً من الغرابة والسرية والجريمة أيضاً.. والظاهر أن أساتذة هذه المدرسة في الصحافة وأتباعها وقراءها يجدون أقرب إلى إيقاع العصر[36].
4-الشهرة والبروز_التشخيص
تزايد إهتمام وسائل الإعلام في عصرنا الحالي،الإهتمام بأخبار الأسماء و الشخصيات الفاعلة في الساحة السياسية و الفنية والرياضية وفي مختلف المجالات التي تتقاطع مع إهتمامات الناس ،وكلما كانت الشخصية بارزة في موقع إجتماعي أو ذات نفوذ سياسي أو موقع إداري ، حصلت على مزيد من الإهتمام و المتابعة .
من الأمثلة التي يمكن أن نسوقها في هذه القيمة الخبرية التي استغلتها وسائل الاعلام في سنوات القليلة الماضية قضية التحرش الجنسي لمدير الصندوق النقد الدولي ("دومينيك ستراوس) الذي شغل المنصب بين 2007-2011 بخادمة من أصول غينية في فندق بنيويورك في 14 ماي 2011 ،وقد تناقلت وسائل الإعلام الخبر بسرعة البرق تحت عناوين مختلفة ، لكن في المقابل يوجد أشخاص عاديون يظهرون في خضم الأحداث فيتحولون بعد ذلك إلى مشاهير يصنعون الأنباء في مثل حالة الخادمة التي ظهرت في أكثر من وسيلة إعلامية ،كما إنفردت بحوارات خاصة مع كبريات المؤسسات الإعلامية في العالم .،فالأسماء إذن تصنع الخبر بل هي نفسها الأخبار.[37]
تنسجم هذه القيمة مع قيمة أخبار النخبة ، التي تركز على ذوي النفوذ أو الشهرة من الناس وتفترض أن هذه الأخيرة معروفة لدى قطاع كبير من الجماهير، مما ينبغي لها أن تحظى بتغطية إعلامية واسعة بإعتبارها شخصيات عامة ، ففي الدول الغربية يتم تسليط الضوء على حياة الشخصية ، للشخصيات البارزة أو القادة ، بحجة أن الناس من حقهم أن يعرفوا كل شئ عن هذه الشخصيات .[38]
5-الصراع :
إن تركيز الأخبار على عنصر الصراع *[39]،ماهو إلا مجرد إنعكاس لإفتتان النفس البشرية بهذا الشئ نفسه ،والإفتتان الإنساني بالصراع ، قد يكون ببساطة ناتجا عن إثارة متولدة من الإندماج أو التقمص وتنفيس عاطفي من جانب الأفراد في المجتمع .[40]
تحظى هذه القيمة بالعناية الكبيرة من طرف وسائل الإعلام خصوصا الفضائيات ،إذ تعتبر تعتبر مادة دسمة تتناولها عبر مختلف مواعيدها الإخبارية ، يبنى و يلبس الخبر بالصور الترجيدية والمؤثرات الطبيعية أو الإصطناعية المحشوة بالخوف والرجاء لإحداث صدمة لدى المتلقي .
من بين الأخبار التي يتوافر فيها عنصر الصراع ما يتعلق بالمعارك الحربية أو المباريات الرياضية أو بالتنافس بين الأحزاب[41] السياسية أو بالجرائم الإنسانية... وغيرها من خلال تقديم الأحداث في صورة درامية.[42]
يقول الصحفي (أوتيس بايك ) من صحيفة نيوز داي بالقول :إذا لم يكن الشيء مرعبا أو موقعا في النفس رهبة، فإنه لا يصلح أن يكون خبر[43] ، ويخير (هارتمان ومازباند) ، بين نوعين من الخصائص التي تجعل الأحداث ذات أهمية إخبارية ، فطبقا لما يقال فإن الصراع أو التهديد و الإنحراف هي العناصر التي تشكل الأخبار ،فالمعلومات عن (الصراع و الإنحراف ) تعتبر ذات أهمية حقيقية للمجتمع ويستمتع الناس بالقراءة عنها لأسباب عدة.[44] كذلك فإن وجود الصراع في ثنايا الأخبار الروتينية يعطيها أهمية أكبر ويحتاج إبراز الصراع إلى مهارة كبيرة من جانب المندوب حتى يشعر به المتلقي ويثير إهتمامات الجمهور .[45]
تعمد وسائل الإعلام من جهة ثانية حسب (ربورت ميرتون) إلى نقل المعلومات وأنباء تثير الفتنة داخل الدولة أو نشر العداء قوة أجنبية أو محلية أو مناخ أو الصراع أو الحرب أو قد تعمد على خدمة أغراض حاكم أو جماعة محددة ، ممن يهيمنون على وسائل الإعلام[46] .
فالصراع إذن يمكن تغذيته إعلاميا والدفع به إلى أتون الحرب والتدخل المباشر ،من خلال إستغلال التصريحات ومحاولة تشويهها وإضفاء عليها المزيد من التحويرات وردود الفعل من هنا وهناك واستعطاف الجمهور ، عبر الأصداء التي يتم جمعها لتكوين وجهة نظرا مشحونة بمشاعر الحقد و الكراهية التي تترجم إلى سلوك عنيف ، كما يسعى بعض الإعلاميين إلى بناء أو نسج قصة إخبارية من أجل الإثارة وتحقيق السبق الصحفي على حساب المشاعر الإنسانية .
6- قيمة الإثارة
تلعب قيمة الإثارة، دور في جذب الإنتباه عن طريق تضخيم الحدث وإبراز جوانبه الدرامية التي تعد مثيرا حقيقيا للغريزة الإنسان ، بحيث تركز على جرائم القتل والإغتصاب والجنس ومختلف الفضائح اللأخلاقية ،فعادة ما تستعمل بعض وسائل الإعلام ، عبارات وتوظيف مصطلحات للإثارة أكثر ما يستحقه مضمون الخبر ويظهر ذلك في العناوين الرئيسية وعلى سبيل المثال ما جاء في يومية النهار الجزائرية، بتاريخ الثالث نوفمبر 2015 على صدر الصفحة الأولى بالبنط العريض وبصورة للضحية (فدية أمين باريشان 27 مليارا ..والخاطفون سجلوا له فيديو عاريا ).[47]إلى جانب أربعة عناوين فرعية تصب في نفس المعنى .
فالإثارة هي المعيار الرئيسي لقيم الأخبار خصوصا في المجتمعات الغربية ،إذا تركز وسائل الإعلام على ما يريده الناس وليس ما يحتاجون إليه ، وتشير نتائج المسوح في المجتمعات الغربية إلى أن الناس يحبون الأحداث الحية والترفيه ونشرات الأخبار الدرامية المليئة بالحركة و الجنس و الجريمة و المأسي، كما أن الناس يتجنبون القضايا الجادة و المعقدة في العالم ، هذا الشكل البسيط ينتشر في نشرات أخبار التلفزيون التي تعتبر المصدر الرئيسي للأخبار بالنسبة للمجتمع الأمريكي .[48]
-7 قيمة السلبية و الإيجابية :
إن الأحداث السلبية بالنسبة لوسائل الإعلام ، تمثل مادة جديرة بالإهتمام و المتابعة أكثر من الأخبار الإيجابية ، سواء من ناحية المعالجة فضلا على الحيز الذي يتم تخصيصه ، سواء المكاني بالنسبة للصحافة الورقية و الإلكترونية أو زمني لوسائل الإعلام المرئية و المسموعة .
إن لأخبار السيئة هي بمثابة أخبار حميدة تستفز هذه الأخيرة وتلقى قبول لدى الجمهور رغم قساوتها ، إلا أنه يقبل عليها على مضض ،كأخبار الجريمة والصراعات العنيفة و الكوارث الطبيعية وحوادث عارضة مثل الإنفجارات وحوادث المرور وكل حادث يؤثر على حياة وإستقرار الناس وغيرها وهي قيمة تصنف لدى وسائل الإعلام بالدول الغربية ، قيمة أساسية .
فالأخبار السلبية هي أخبار جيدة أو حميدة كما يعبر عنها بعض الإعلاميين ، تحظى بالأولوية والقبول عن غيرها من المواضيع التي تعرض للمعالجة اليومية وفق ورقة الطريق التي تضبطها هيئة التحرير لأسباب متعددة :
-المنافسة القائمة بين وسائل الإعلام في معالجة مختلف القضايا وأي تأخير أو تجاهل للوسيلة الإعلامية للحدث يفقد نسبة من جمهورها .
- يشعر منتجو نشرات الأخبار بأنهم مجبرون على تغطية القصص التي ظهرت في باقي وسائل الإعلام الأخرى.
-الأخبار السلبية في نظر بعض الصحفيين تحقق عائدا ماليا للوسيلة من جهة وتثير إهتمام أكبر للجمهور . [49]
من المعروف أن الاخبار السلبية ، تعمل على زيادة حجم مبيعات وسائل الإعلام[50]بفضل المعلنين الجدد اللذين يبحثون عن أكبر نسبة مشاهدة تلفزيونية ،ولتحقيق هذا الغرض تحاول القنوات الإخبارية تسليط الضوء على كل حدث وخصوصا الحروب و الكوارث الطبيعية و المشاكل السياسية ثم تضيف من عندها الكثير من عوامل الإثارة الصوتية وإدخال التحاليل السياسية التي غالبا ما تكون مبرمجة مسبقا لإيصال وجهة النظر التي ترغب بها إلى المشاهد وبسبب هذا التركيز على الجوانب السلبية في الحياة .
توافق قيمة السلبية قيمة اللاتوقعية ، بإمكان الأحداث غير المتوقعة كالزلزل و الفيضانات و الإنفجارات الهائلة المدمرة ، بإمكانها إغراق الشاشة على حساب أخبار كانت تشغل الرأي العام ، إذ تتصدر الواجهة وتنسجم هذه القيمة مع قيمة الفورية أو الحالية أو ما يسمى التواقتية في متابعة كل ماهو جديد ، ويقصد بها ما يحتمل وقوعه ترتيبا على وقوع حادثة ما .
تقاس أهمية الخبر الصحفي بما يمكن أن يثيره لدى القارئ من توقع لما ينتج عنه أو ما يثيره من إحتمالات وإيحاءات أو ما يعرضه في ذهن القارئ أو مجتمعه ووطنه.[51] حين ينظر إلى هاتين القيمتين بمنظورين مختلفين أو قد يكون سلبي في ثقافة ما إيجابيا في ثقافة أخرى فمثلا يعتبر الإسرائليون المقاومة الفلسطينية عبر وسائل الإعلام إرهابا كمقابل للسلبي ، الذي يخيف ويرهب ويهدم في حين تكون المقاومة إيجابية لدى الفلسطينيين والأمر نفسه ينطبق على الإعلام الغربي في تغطيته لأحداث العالم النامي ، فما تراه أمريكا متماشيا مع منظور العولمة وتصورها للعالم فهو إيجابي.[52]و العكس صحيح .
8-الإهتمامات الإنسانية:
تهتم مختلف وسائل الإعلام ، مهما كانت إنتماءاتها الأيديولوجية بهذه القيمة الخبرية، التي يطلق عليها الأخبار ذات الزاوية الإنسانية أو الأخبار المستمدة من مجال الحياة، وهي القيمة التي تخاطب أو تحرك أو تثير كل ما يمس العاطفة أو الإحساس عند القارئ أو المشاهد من خوف أو حب أو كره أو شفقة أو أي من المشاعر الإنسانية المتباينة ، ويطلق على هذه القيمة بالمصالح البشرية لأنها تهتم بما يحدث للجنس البشري .[53]ولهذا لا يمكن كتابة أخبار الكوارث والحروب بخفة دم[54].
أمام هذه القيم الإخبارية ،المصنفة في سياق القيم الأساسية والتفضيلية هناك قيم أخرى،تتنوع مابين قيم التركيب، لتحقيق التوازن في نشر الأخبار ومنها التوازن ما بين نسبة الأخبار المحلية و الإقليمية والدولية والتوازن مابين نسبة الأخبار الجادة و الخفيفة .[55]من جهة وقيمة التماثل والتي تعني درجة إنتقاء الأحداث مع توقعات الجمهور وتنبؤاته ،قيمة العدالة بالنسبة لمصداقية وإكتمال عناصر الخبر والحياد في العرض ،وقيمة التأكد ، التي تتجلى دافعية في تفاعل الجمهور مع الأخبار غير معروف نهايتها و العكس صحيح وغيرها من القيم التي يحصيها الباحثون في مجال الإعلام و الإتصال .
رغم إستنباط هذا الكم من القيم الإخبارية ، إلا أن مجال توظيفها في صياغة الأخبار تختلف من منطقة لأخرى ومن وسيلة إعلامية لأخرى، تتقاطع فيها كما أشرنا في معرضنا حديثنا مع الإيديولوجية والخط الإفتتاحي للوسيلة الإعلامية التي تنشط في بيئة إتصالية قد تختلف مع بيئات أخرى ويمكن أن نرصد مجال إستخدامها وتوظيفها حسب طبيعة المجتمعات و الثقافات التي تنتمي إليها .
-القيم الإخبارية في المجتمعات الغربية :
إن فلسفة الإعلام في البلدان الغربية ، تقوم على أساس الحرية في حق المعرفة و الإعلام والوصول إلى مصادر الخبر بدون قيود أو عراقيل ، مما يجعل المعلومة متوفرة ومتاحة للجميع يكون فيها حق الرد مضمون ،فوسائل الإعلام عبارة عن ملتقى مفتوح على مختلف الأصعدة و الجبهات ، مضمار للسباق للحصول على الخبر حسب قدرة كل وسيلة إعلامية في التأثير وإستقطاب المزيد من الجمهور ،تختلف كل وسيلة في طرق معالجة الخبر وتوظيف قيمه .
يعتبر كل من نورثكليف، تشارلز دانا، وبوليتزر، وجيرالد جونسون، وراند ولف هيرست، وبيار ألبير، وغيرهم من الذين إرتبطت صحافة "الإثارة " أو الصحف الشعبية" أو " الصحف الصفراء" بأسمائهم من المنظري الأوائل لهذا الإتجاه ، لكن مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، تعرضت نظرية الحرية لإنتقادات شديدة، أسفرت عن إعادة النظر في مفهوم الحرية وإلى ضرورة وضع مفهوم جديد لها يضمن توجيهها نحو خدمة المجتمع.
تصنف النظرية الليبرالية الخبر كمنتوج ينبغي توظيبه وتسوقه بشكل لائق ، فالماء يقول الباحث ( حسن عماد مكاوي) لايعتبر بضاعة ، إلا إذا عبأناه في زجاجات وأصبح بضاعة قابلة للتسويق ، فمن بين ملايين الأحداث التي تقع في كل لحظة في العالم ،يختار المندوب الصحفي عدد قليل منها ، مثل الصائغ الذي يختار الأحجار الكريمة ويقوم بتلميعها ويعرضها للبيع [56].
ينحصر مجالها في الإثارة ،الضخامة والشهرة و البروز ،والصراع ،والسلبية كلها قيم من شأنها إستقطاب الجمهور ، خصوصا إذا توافقت هذه القيم مع القيم الزمنية كما أشرنا لتحقيق سبق صحفيا . وهو ما أكده (ناريندر اجاروالا ) بالقول إن أكثرية أخبار العالم الثالث في الإعلام الغربي ذات سمة سلبية وهي تركز على ما يتعلق بالعجز و المجاعة و الكوارث الطبيعية و الصراعات السياسية و العسكرية .[57]
-القيم الإخبارية في الأنظمة الشمولية :
إن تعاطي مع الأخبار في الأنظمة الشمولية، تمليه الإيديولوجية الحزبية و المنظمات التابعة له ،نجد عشرات الأمثلة عن المواد و التشريعات و الخطب الرسمية التي تشير إلى ضرورة أن ينصهر القائم بالإعلام وكذا وسائل الإعلام في خدمة أهداف الثورة وضمن هدف واحد هو بناء المجتمع الإشتراكي .[58] وغالبا ما تأتي هذه الأخبار معلبة وجاهزة للعرض ،تخضع للتمحيص وتمر عبر عدد من البوابات للموافقة أو الإمتناع عن بثها .
ترتبط القيم الإخبارية المتبناة في وسائل الإعلام في البلدان الإشتراكية ، بما يهم مصلحة العليا للنظام الحاكم وليس ما تتطلبه الممارسة الإعلامية ،قلما تنشر أخبار ذو محتوى سلبي أو عنيف .
-القيم الإخبارية في الوطن العربي :
إرتبطت قيم الأخبار في دول العالم الثالث ، بالتنمية التي تمثل ضرورة ملحة لهذه المجتمعات للخروج من التبعية والتخلف و الركود [59]والتثقيف ، بالنظر لحجم القطاعات المحرومة من التعليم والتثقيف النظامي ومن ثم بات لزاما على هذه الدول الإعتماد على وسائل الإعلام في مرحلة من مراحل تأسيسها ، بعد خروج أغلبها من إستعمار مدمر لبنيتها الثقافية وهويتها الحضارية ، الإعتماد عل وسائل الإعلام لتلبية حاجياتها .، المعرفية والثقافية . [60]
يرى (جون مارتن وأنجو جروفر شودري) أن دول العالم الثالث، تركز على وظيفة الإخبار وليس على ماهية الأخبار، إن الغرض من الأخبار بالنسبة لهم هو التوجيه والتأثير في الناس، وليس الغرض هو إمتاعهم وذلك لأنهم لا يحاولون بيع الأخبار، ولكنهم يستخدمونها لغرض معين.
فالأخبار في الوطن العربي في المراحل الأولى من إستقلالها وإسترجاع سيادتها ، كانت تستهدف تعليم الجماهير وتساعد على بناء الأمة.[61].و التركيز على الأخبار الإيجابية وتعزيز الوحدة الوطنية ،فالخبر منبع لتلاحم أفراد المجتمع وشعورهم بالإنتماء للوطن وتقويض الصراعات والمشاكل وتضييق الخلافات الهامشية ، التي تدفعها الأمية و الجهل إلى السطح .
من بين أهم القيم الخبرية في الدول النامية :التنمية ،المسؤولية الإجتماعية ،التكامل الوطني ،الإيجابية والقرب الإقليمي .[62]لكن هذه القيم الخبرية، ظلت غير مستقرة مقارنة بالقيم الإخبارية في البلدان الغربية .
على ضوء التغيرات التي حدثت في الوطن العربي ، تعمل الكثير منها على (نمذجة) أخبارها وفقا للمفهوم الغربي للأخبار ، في طريقة تحرير وتقديم النشرات[63]والتعاطي مع الأحداث والإنسياق وراء القيم الغربية ، كالإثارة والصراع والسلبية في مختلف المضامين الإعلامية .
هذا التقليد ، أثرر بشكل سلبي على إستقرار المنطقة و إنسجام الشعوب ، لأن التركيبة الإجتماعية ، لازالت هشة وذهنية الأفراد وتكوينهم المعرفي غير مؤهل لفهم خلفيات وأهداف الرسالة الإعلامية، إنطلاقا من أن الخبر ليس بريء ، بل صناعة يحمل كافة مواصفات المعامل الحديثة في عمليات جمع المواد الأولية وغربلتها وتوظيبها وتسويقها في حلة لائقة ،يحمل الوسم علامة تجارية للقناة ،ولايمكن تجاهل هذا المعطى لكونه تجارة رائجة تدر أموالا طائلة وسلطة مؤثرة تلعب دورا محوريا في توجيه أراء وتفكير الشعوب .